والفرقة الناجية وسط في باب أفعاله تعالى بين القدرية والجبرية.
لما ذكر الشيخ ﵀ في أول الرسالة أصول الإيمان، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والإيمان بالقدر خير وشره، وبين أنه على عقيدة السلف في أسماء الله وصفاته مخالفا بذلك فرقتي المعطلة والمشبهة والممثلة، وقرر هذا الأصل، الذي هو داخل في الإيمان بالله ﷿؛ لأن الإيمان بالله يشمل: الإيمان بتوحيد الربوبية، والإيمان بتوحيد الألوهية، والإيمان بتوحيد الأسماء والصفات.
ثم ذكر في هذه الجملة ما يتعلق بالأصل الأخير وهو الإيمان بالقدر؛ لأن هذا وقع فيه خلاف وتفرق بين طوائف القدرية والجبرية.
أما القدرية فالمراد بهم: الذين ينفون القدر، وهم المعتزلة أتباع واصل بن عطاء، سموا بالمعتزلة لأنهم اعتزلوا مجلس الحسن البصري ﵀، وكونوا لهم جماعة وتبنوا مذهبا في التوحيد يخالف مذهب أهل السنة والجماعة. وأيضا في أصول الإيمان جعلوا لهم أصولا غيرها، وهي الأصول الخمسة، وهي:
الأول: التوحيد، ويريدون به نفي الصفات، يسمون نفي الصفات توحيدا؛ لأن إثبات الصفات يقتضي تعدد الآلهة عندهم.
والثاني: العدل، ويريدون به نفي القضاء والقدر؛ لأنهم يقولون: إثبات القضاء والقدر يلزم عليه الجور والظلم في حق الله تعالى، حيث يعذب عباده على شيء قدره عليهم.
[ ٢٨ ]
والثالث: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويريدون به الخروج على ولاة الأمور، فالذي يخرج على الولاة، هذا هو الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر عندهم.
والرابع: المنزلة بين المنزلتين، وهذه هي التي خالفوا واعتزلوا من أجلها مجلس الحسن، لما سئل الحسن ﵀ عن حكم مرتكب الكبيرة، أجاب بما عليه أهل السنة والجماعة، قال: «هو مؤمن ناقص الإيمان»، فلا يكفر كما تكفره الخوارج، ولا يوصف بالإيمان الكامل؛ كما تقوله المرجئة، بل هو مؤمن ناقص الإيمان، فهو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.
فلما أجاب الحسن بهذا الجواب، وكان واصل بن عطاء تلميذا له، قال: أنا أقول: إنه لا مؤمن ولا كافر، بل هو في المنزلة بين المنزلتين، يخرج من الإيمان ولكنه لا يدخل في الكفر، فهو في المنزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر، فإن مات ولم يتب فإنه يكون خالدا في النار؛ كما تقوله الخوارج، فأحدثوا القول بالمنزلة بين المنزلتين وعرفوا بذلك.
والخامس: إنفاذ الوعيد، ويريدون به أن النار لا يخرج منها من دخلها، فأوجبوا خلود مرتكب الكبيرة من أهل القبلة في النار، وقالوا: من استحق العذاب لا يستحق الثواب.
ومحط البحث الآن في الأصل الثاني وهو العدل، وأما مرتكب الكبيرة فيأتي بعده مباشرة.
[ ٢٩ ]
فالعدل: وهو نفي القدر عندهم، وهذا غلط فيه المعتزلة والجبرية، وهما على طرفي نقيض.
فالمعتزلة يقولون: إن العبد يستقل بفعله وليس لله فيه قضاء ولا قدر، وإنما العبد هو الذي يستقل بفعله، والأمر أنف - يعني مستأنف – لم يقدر ولم يكتب في اللوح المحفوظ، وغلاتهم يقولون: ولم يعلمه الله قبل وقوعه. فينفون العلم، وهؤلا كفار بلا شك؛ لأنهم إذا نفوا العلم فهم كفار.
أما جمهورهم فيقولون: الله يعلمه ولكنه لم يقدره، وإنما علم أن هذا سيقع لكنه بدون تقدير منه ﷾.
وشيخ الإسلام ابن تيمية في «الواسطية» يقول: إن الصنف الأول وهم الذين ينفون العلم انقرضوا. أو القائل به منهم قليل في وقت الشيخ، أما الآخرون فلا يزالون إلى الآن باقون يقولون: إن الله يعلمه لكن لم يقدره، وإنما العبد هو الذي أحدثه بدون أن يقدره الله عليه.
هؤلاء هم القدرية، سموا بالقدرية لأنهم ينفون القدر، فيغلون في إثبات أفعال العباد ويقولون: هم الذين يوجدونها بدون أن يقدرها الله عليهم.
وأما الجبرية: فهم الجهمية ومن أخذ بقولهم، فهم على النقيض، يغلون في إثبات القدر والمشيئة وينفون أفعال العباد، ويقولون: العبد مجبور ليس له اختيار في أفعاله، وإنما يحرك كما تحرك الريشة في الهواء، أو هو كالميت بين يدي الغاسل يقلبه، ليس له اختيار. فهم
[ ٣٠ ]
غلوا في إثبات القدر وإرادة الله ﷾، ونفوا أفعال العباد، واعتبروهم مجبرين على أفعالهم ليس لهم فيها اختيار ولا مشيئة، ولذلك سموا بالجبرية لأنهم يقولون بالجبر.
أهل السنة والجماعة توسطوا – كما هي عادتهم في كل أمور الدين هم وسط فيها – فأثبتوا أن للعبد فعلا ومشيئة واختيارا، ولكنه لا يخرج بذلك عن مشيئة الله وإرادته، فأثبتوا للعبد مشيئة واختيارا وإرادة وأفعالا، خلافا للجبرية، ولكنه لا يخرج عن قضاء الله وقدره، خلافا للقدرية، وهذا هو الذي تدل عليه الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فلولا أن للعبد مشيئة واختيارا وقدرة لما عذبه الله على أفعاله، فلو كان مجبرا – كما تقوله الجبرية – لم يعذبه الله على أفعال ليس له فيها اختيار.
ومن أدلة أهل السنة والجماعة قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨، ٢٩]، قوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ دل على أن الإنسان يستقيم على طاعة الله بمشيئته لا يجبر على ذلك، إما أن يستقيم وإما أن يعصي، فهو الذي يؤمن وهو الذي يكفر، وهو المؤمن، والكافر، والفاسق، والزاني، والسارق، والشارب، هو نفسه.
فأثبت للعبد مشيئة في قوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾، ثم قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، هذا رد على القدرية، فأول الآية رد على الجبرية، وآخرها رد على القدرية، فالآية فيها رد على الطائفتين.
وقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ﴾ هذا رد على الجبرية الذين ينفون مشيئة العبد وإرادته، وأنه يحرك بدون اختيار منه، وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ رد على القدرية الذين ينفون القدر ويغلون في إثبات مشيئة العبد،
[ ٣١ ]
ويقولون: إن العبد يشاء ولو لم يشأ الله ولو لم يقدر الله، هو يفعل ويشاء بابتداعه وإيجاده هو. وبعضهم يقول: الله لا يعلم أفعاله قبل أن تقع، وهؤلاء هم الغلاة، وبعضهم يقول: يعلمها لكنه لم يقدرها. هذا هو ملخص البحث في هذه المسألة.
والقضاء والقدر ثابت في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ، قال الله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، وقال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] .
وفي السنة: حديث جبريل لما قال للرسول ﷺ: «أخبرني عن الإيمان، قال: الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» .
والإيمان بالقدر على أربع مراتب لا بد من الإيمان بها كلها.
المرتبة الأولى: الإيمان بأن الله ﷾ علم كل شيء بعلمه الأزلي الذي هو موصوف به أزلا وأبدا، وهذه المرتبة هي التي نفاها غلاة القدرية.
المرتبة الثانية: الإيمان بأن الله كتب في اللوح المحفوظ كل شيء، لحديث: «أول ما خلق الله ﵎ القلم، ثم قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما يكون وما هو كائن إلى أن تقوم الساعة»، والله - جل وعلا – يقول: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾
[ ٣٢ ]
الكتاب هو اللوح المحفوظ ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ أي نخلقها ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]، والكتابة «قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء»، فالكتابة سابقة بأزمان على خلق السماوات والأرض.
المرتبة الثالثة: مرتبة المشيئة والإرادة، فكل شيء يقع فهو بمشيئة الله وإرادته، وفي هذا رد على القدرية، فلا يكون في ملكه ﷾ ما لا يشاؤه ولا يريده ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨]، فكل شيء يحدث فقد شاءه الله وأراده بعد ما علمه وكتبه في اللوح المحفوظ.
المرتبة الرابعة: مرتبة الإيجاد والخلق، علمه وكتبه وشاءه وخلقه ﷾.
لا بد أن تؤمن بهذه المراتب كلها وإلا لم تكن مؤمنا بالقضاء والقدر.
قوله: «والفرقة الناجية»، سميت ناجية؛ لأنها ناجية من النار، بخلاف بقية الفرق فإنها في النار؛ كما قال ﷺ: «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة»، هذه الواحدة هي الناجية من النار، وهذه الفرق النار وهي تتفاوت، منها ما هو في النار لكفره، يخلد فيها، ومنها ما هو في النار لمعصيته ولا يخلد فيها، فلا يلزم من هذا أن هذه الفرق كلها كافرة، بل هي متفاوتة؛ لأن الخلاف يتفاوت.
[ ٣٣ ]
وقوله: «وسط في باب أفعاله تعالى بين القدرية والجبرية»، الجبرية: هم أتباع الجهم بن صفوان، الذي يقول بالجبر، ويقول بالإرجاء، ويقول بالتجهم.
ولهذا يقول ابن القيم في «النونية»:
جيم وجيم ثم جيم معهما مقرونة مع أحرف بوزان
يعني جمع بين ثلاث جيمات، والرابعة جيم جهنم والعياذ بالله.
[ ٣٤ ]