وأرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه الشريعة المحمدية الطاهرة.
ويرى الشيخ كغيره من أهل السنة والجماعة وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وغير ذلك من الآيات.
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١]، فجعل من صفاتهم أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، والذي لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر هذا من المنافقين، قال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ [التوبة: ٦٧]، فهم بالعكس، وها هم الآن يأمرون بالمنكر، بل يأمرون بكل منكر، ويدعون إليه، ويدعون المسلمين إلى أن يتخلوا عن دينهم، ويسمون التمسك بالدين تشددا وغلوا، فيقولون: لا بد أن يترك المسلمون هذا، ولا بد أن تتمرد النساء ويتركن الحجاب، اتركوا الولاء والبراء واجعلوا الناس سواء ما بينهم فرق. هذا أمر بالمنكر، هم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف دائما وأبدا، عكس المؤمنين فإنهم يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر.
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من واجبات الدين، ولا بد منه في الإسلام، فإذا وجد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذا علامة نجاة الأمة، وإذا فقد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذا
[ ١٣٩ ]
علامة هلاك الأمة، قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود: ١١٦]، قليل هم الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأنجاهم الله من العذاب، ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٥]،فلا ينجو إلا أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأما من لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر فهو إما منافق ليس في قلبه إيمان، وإما مؤمن ضعيف الإيمان، وإذا هلك أهل المنكر يهلك معهم؛ لأنه لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر بحسب استطاعته؛ ولهذا قال ﷺ: «فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»، وفي رواية: «وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل»، فدل على أن الذي لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر هذا هالك مع الهالكين، فلا بد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا تحصل النجاة إلا بوجود هذا الأمر، فإذا فقد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حق على الناس الهلاك، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وقول الشيخ: «على ما توجبه الشريعة»، هذا رد لقول الخوارج والمعتزلة: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الخروج على ولاة الأمور، وشق عصا الطاعة، وتفريق الجماعة، وسفك الدماء، بحجة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا لا توجبه الشريعة، بل تنهى عنه الشريعة، وليس هذا هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهم يسمون الخروج على ولاة الأمور، وشق عصا الطاعة، واستباحة
[ ١٤٠ ]
دماء المسلمين وتكفيرهم، يسمون هذا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا انحراف في هذا المسمى العظيم، ولهذا يقول شيخ الإسلام وغيره من أهل السنة: «على ما توجبه الشريعة»؛ كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في «العقيدة الواسطية»؛ لأجل ألا يعتقد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما اعتقده الخوارج والمعتزلة، الذين يكفرون مرتكب الكبيرة من المؤمنين، ويسمون هذا من إنكار المنكر، وهذا خلاف ما توجبه الشريعة، وهو غلو في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فيجب التنبه لهذا، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو كما قال ﷺ: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه»، هذه كيفية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسب الاستطاعة، فإذا لم تستطع، فأنت لست مكلفا بذلك، إلا أنك لا بد أن تنكره بقلبك، وتعتزل أهله وتبتعد عنهم.
أما الذين يحملون السلاح في وجوه المسلمين، ويقولون: هذا هو الأمر المعروف والنهي عن المنكر. فهذا مذهب الخوارج ومذهب المعتزلة أهل الضلال.
فهذا هو القيد الذي أراده أهل العلم بقولهم: «على ما توجبه الشريعة» .
[ ١٤١ ]