وأؤمن بأن نبينا محمدا ﷺ خاتم النبيين والمرسلين، ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته.
لما ذكر ﵀ في مقدمة الرسالة بعض أصول الاعتقاد الذي سئل عنه، ذكر في هذا اعتقاده في النبي ﷺ؛ لأن أول أصول الاعتقاد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فشهادة أن لا إله إلا الله يدخل فيها كل ما يتعلق بالرب ﷾ من توحيده بأقسامه الثلاثة، وما يتعلق بأفعاله، وبكلامه وكل ما يتعلق بالرب ﷾ كله يدخل في شهادة أن لا إله إلا الله، ثم شهادة أن محمدا رسول الله، وهي الإقرار والاعتراف برسالة محمد ﵊، يعتقدها بقلبه، وينطق بلسانه، ويتبع ذلك باتباعه ﷺ وطاعته وامتثال أمره واجتناب نهيه وتصديق خبره.
كل هذا يدخل في شهادة أن محمدا رسول الله، يدخل فيها الإيمان بعموم رسالته إلى الجن والإنس – الثقلين – ويدخل فيها الإيمان بأنه خاتم النبيين، لا نبي بعده، كل هذا يدخل في شهادة أن محمدا رسول الله، فلا بد من الاعتراف بالقلب والنطق باللسان، فلا يكفي النطق باللسان دون اعتقاد القلب بأنه رسول الله، فالمنافقون يشهدون أنه رسول الله بألسنتهم: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]، وهم كاذبون في شهادتهم.
ثم لا يكفي أيضا الاعتقاد بالقلب بدون تلفظ ونطق وإفصاح باللسان، فإن المشركين يشهدون أنه رسول الله بقلوبهم، لكن لا يتلفظون بذلك، فقد أبوا استكبارا وعنادا وجحودا أن يتلفظوا
[ ٩٨ ]
برسالته ﷺ، مع أنهم يعترفون بها في قلوبهم، قال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، واليهود والنصارى يعلمون أنه رسول الله، لكن منعهم الكبر والحسد أن ينطقوا بذلك، وأن يتبعوه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٦، ١٤٧]، فلا بد من هذه الأمور في شهادة أنه رسول الله:
* النطق باللسان.
* والاعتقاد بالقلب.
* والمتابعة له ﷺ.
فلا يكفي أن يعترف بأنه رسول الله وينطق بذلك ولكن لا يتابعه، فلا يطيعه فيما أمر، ولا يجتنب ما نهى عنه، أو يكذبه فيما أخبر؛ ولهذا يقول الشيخ في عبارة جميلة له في «ثلاثة أصول»: «ومعنى أشهد أن محمدا رسول الله: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله بما شرع»، فالعبد ما دام يشهد أنه رسول الله فلا بد أن يتقيد بما جاء به، ولا يخالفه بالبدع والمحدثات.
قوله: «خاتم النبيين» يعني: آخر الأنبياء، ليس بعده إلا قيام الساعة، ولهذا يسمى نبي الساعة، قال ﷺ: «بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى»، فهو نبي الساعة، وبعثته
[ ٩٩ ]
من علامات الساعة، لا نبي بعده، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، قال ﷺ: «إنه سيكون بعدي كذابون ثلاثون، كل منهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي» .
فالذي لا يعتقد ختم الرسالة به ﷺ كافر، أي: الذي يقول: يجوز أنه يبعث نبي بعد الرسول. هذا كافر؛ لأنه مكذب لله ولرسوله ولإجماع المسلمين؛ كالقاديانية الذين يعتقدون نبوة غلام القادياني، وكذلك الذين اعتقدوا نبوة مسيلمة، ونبوة الأسود العنسي.
ومن ادعى النبوة بعد النبي ﷺ فهو مرتد بذلك عن الإسلام، فإن تابوا تاب الله عليهم، مثل: طليحة الأسدي الذي ادعى النبوة ثم تاب من ذلك فتاب الله عليه وقتل شهيدا ﵁، وسجاح التميمية التي ادعت النبوة ثم تابت فتاب الله عليها، أما من ادعى النبوة أو صدق من يدعيها فهو كافر مرتد عن دين الإسلام؛ لأنه لا نبي بعد الرسول ﷺ، ولا حاجة إلى النبي بعد الرسول، ولا حاجة إلى كتاب ينزل بعد القرآن؛ لأن الله أغنى العالم بهذا الرسول وبهذا الكتاب، فرسالته عامة في الزمان والمكان، فهي عامة في الزمان إلى أن تقوم الساعة، وعامة في المكان لجميع أقطار الأرض، كلها عامة إلى أن تقوم الساعة وشاملة وكافية للخلق، وإنما تكون بعثة الرسل عند الحاجة، والعالم ليس بحاجة لبعثة رسول أو إلى نزول كتاب بعد محمد ﷺ وبعد القرآن.
[ ١٠٠ ]
وأما نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان – كما تواترت بذلك الأخبار – فهو حق، ولكنه ينزل على أنه تابع لهذا الرسول محمد ﷺ، يحكم بشريعة الإسلام، ويكون تابعا للنبي ﷺ، ويقتل الدجال، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، ولا يبقى إلا دين الإسلام، فبعد نزول المسيح لا يبقى إلا الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ، فهو مجدد لدين الإسلام وتابع للرسول ﷺ، فلا نبي بعد الرسول محمد ﷺ.
قوله: «والمرسلين»؛ لأن بعض الملاحدة يقول: الرسول يقول: «لا نبي بعدي» ولا يمنع أن يبعث رسول؛ لأنه قال: «لا نبي بعدي»، فالممنوع هو النبوة أما الرسالة فلا. يا سبحان الله! لا يكون الرسول إلا نبيا. فبينهما عموم وخصوص، فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا.
وقوله: «ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته»، لا بد أن يشهد بنبوته ويؤمن برسالته، أي: بأنه نبي رسول ﵊، والرسالة أعم من النبوة، فمن أبى أن يشهد أنه رسول الله فهو كافر، أو لم يعترف بأنه خاتم النبيين، وأجاز أن يبعث بعده رسول فهو كافر، وقال: إن رسالته خاصة بالعرب وليست عامة؛ كما يقوله بعض النصارى، الذين يؤمنون برسالته ولكن يقولون: إنه نبي للعرب خاصة.
وهذا كفر؛ لأنه لا بد من الإيمان بعموم رسالته ﷺ.
[ ١٠١ ]