وأن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة، كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته.
هذه المسألة من مسائل يوم القيامة أيضا؛ لأن الشيخ لا زال ﵀ يعدد ما يكون يوم القيامة، ومن ذلك: «أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم»، إكراما لهم في الجنة، ولا يجدون أطيب من رؤيتهم لله ﷿ ولا ألذ من رؤيتهم لربهم ﷿.
وقد جاء هذا في القرآن، قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، الحسنى: هي الجنة، والزيادة: هي النظر إلى وجه الله؛ كما في «صحيح مسلم»، وقال تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥]، المزيد: هو رؤيتهم لوجه الله ﷾؛ كما جاء في التفسير.
وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] ﴿نَاضِرَةٌ﴾ الأولى بالضاد، من النضرة وهي البهاء والحسن، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ بالظاء المشالة، أي: ناظرة بأبصارها، ﴿إِلَى رَبِّهَا﴾ عداه بـ «إلى»، وإذا عدي النظر بـ «إلى» فمعناه المعاينة بالأبصار، فأبصار أهل الإيمان تنظر إلى ربها جل وعلا.
وكذلك قوله تعالى في الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، أي: لا يرون الله يوم القيامة، فدل على أن المؤمنين يرون الله؛ لأنه إذا حجب عنها الكفار، دل على أن المؤمنين لا
[ ٩٣ ]
يحجبون عنها؛ كما قال الإمام الشافعي ﵀، وإلا لم يكن هناك فرق، لو كان الله لا يرى يوم القيامة لما خص الكفار، وقال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] .
وأما الأحاديث فكثيرة جدا ومتواترة عن النبي ﷺ، وقد استقصاها الإمام العلامة ابن القيم في كتابه: «حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح»؛ أي: استقصى الأحاديث الواردة في الرؤية، وأنها بلغت حد التواتر.
أما المعتزلة ومن سار في ركابهم فإنهم ينفون الرؤية كعادتهم؛ لأنهم لا يصدقون بالأحاديث، وإنما يتبعون عقولهم وأفكارهم، ويستدلون بالمتشابه من القرآن، مثل قوله تعالى عن موسى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، قالوا: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ هذا نفي للرؤية فدل على أن الله لا يُرى.
والرد على هذا من وجهين:
الوجه الأول: أنه لو كانت رؤية الله غير جائزة لما سألها موسى؛ لأن موسى نبي الله وكليم الله، لا يمكن أن يسأل شيئا لا يجوز، فدل هذا على أن رؤية الله جائزة، ولكنه لن يراه في هذه الدنيا؛ لأن المخلوقين لا يقوون على رؤية الله في هذه الدنيا؛ ولهذا ضرب الله له المثل: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ يعني: مغشيا عليه، فدل على أن موسى لا
[ ٩٤ ]
يطيق رؤية الله في هذه الدنيا، وكل مخلوق لا يطيق رؤية الله في هذه الدنيا لضعف المخلوقين في هذه الدار.
أما في الجنة، فالله يعطي المؤمنين قوة على أن يروا ربهم ﷾.
الوجه الثاني: أن الله - جل وعلا – لم يقل لموسى: إني لا أرى، بل قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ يعني: في هذه الدنيا، و«لن» لا تقتضي النفي مطلقا، وإنما تقتضي النفي المؤقت؛ ولهذا يقول ابن مالك في «الكافية الشافية»:
ومن رأى النفي ب (لن) مؤبدا فقوله اردد وسواه فاعضدا
فلن للنفي غير المؤبد؛ ولهذا قال الله - جل وعلا – في اليهود: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: ٩٥] يعني: الموت، وفي الآخرة يتمنون الموت، قال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، ففي يوم القيامة يطلبون الموت مع أنهم في الدنيا لن يتمنوه، فدل على أن «لن» لمطلق النفي ولا تقتضي تأبيدا، وإنما هو نفي مؤقت، والله - جل وعلا – قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ يعني: في الدنيا، فليس لهم متمسك في هذه الآية.
الشبهة الثانية: تمسكوا بظاهر قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، قالوا: ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾ يعني: لا تراه.
والجواب أن يقال: ليس معنى ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾ أنها لا تراه، لكن معناه أنها لا تحيط به، والإدراك معناه: الإحاطة، والله لم يقل: لا
[ ٩٥ ]
تراه الأبصار، بل قال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾، ونفي الإدراك لا يلزم منه نفي الرؤية، فقد يرى الإنسان الشيء ولا يدركه كله، فأنت مثلا، ترى الشمس، ولكن هل تدركها كلها؟ فما كل ما يرى يدرك كله، فالآية ليس فيها نفي الرؤية، بل فيها نفي الإدراك. يعني: وإن رأته فهي لا تدركه؛ لأن الله - جل وعلا – أعظم من كل شيء، فلا يحاط به جل وعلا، فليس في الآية دليل على نفي الرؤية، وإنما فيها نفي الإدراك فقط.
فقوله: «يرون ربهم بأبصارهم» رد على من يقول: يرونه بقلوبهم؛ لأن الرؤية قد تكون قلبية، وتكون بصرية، وهم يقولون: يرونه بقلوبهم. لو كان بقلوبهم ما قال الرسول ﷺ: «كما ترون القمر ليلة البدر، وكما ترون الشمس صحوا ليس دونها سحاب»، هل الشمس ترى بالقلب أو بالبصر؟ الجواب: بالبصر.
وقوله: «كما يرون القمر ليلة البدر» كما يرون البدر عند تمامه ليلة الخامس عشر؛ لأن القمر يتكامل ليلة الرابع عشر والخامس عشر: ولهذا تسمى ليالي الإبدار، يعني: تكامل القمر، فأنت تراه واضحا، وكل الناس يرونه ليلة البدر واضحا، كل أهل الأرض يرونه جليا، والشمس لا مرية أن الناس يرونها كل يوم. وقوله: «لا يضامون في رؤيته»، يعني: كل يراه بسهولة ويسر بدون زحام ولا خطر: لأن الناس ربما يتزاحمون على الشيء الواحد، ويحصل خطر أو موت أو دهس، ولكنهم يرون ربهم من غير مضارة ولا زحام، وهذا حتى في المخلوق،
[ ٩٦ ]
فالناس كلهم يرون القمر ولا يتزاحمون على رؤيته، ويرون الشمس ولا يتزاحمون على رؤيتها، فإذا كان هذا في المخلوق، ففي الخالق من باب أولى.
[ ٩٧ ]