وأعتقد الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت.
من أركان الإيمان: الإيمان باليوم الآخر، وقد تكرر ذكره في القرآن الكريم، ففي أول سورة البقرة قوله تعالى: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤]، فمن صفات المتقين أنهم يوقنون باليوم الآخر، والإيمان باليوم الآخر من البر، قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، فيؤمنون بالله واليوم الآخر، وتكرر في القرآن الكريم، وسمي باليوم الآخر؛ لأنه بعد الدنيا، الدنيا هي اليوم الأول، ويوم القيامة هو اليوم الآخر، سمي يوم القيامة لقيام الناس من قبورهم لرب العالمين.
وهذا الركن من أركان الإيمان خالف فيه كثير من الكفرة، فالكفار الذين بعث إليهم النبي محمد ﷺ يكفرون باليوم الآخر، ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧]، ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩]، فالذي ينكر اليوم الآخر، وينكر البعث كافر بالله ﷿ الكفر المخرج من الملة؛ لأنه جاحد لركن من أركان الإيمان؛ ولأنه مكذب لله ولرسوله، بل لجميع الرسل، مكذب لما علم من الدين بالضرورة، وليس لهم حجة أو شبهة إلا أنهم يقولون: لا يمكن هذا؛ لأننا صرنا رفاتا وعظاما فمن يحيي العظام وهي رميم؟ ﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٤٩]، ﴿قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٢]، إلى غير ذلك.
يستبعدون قدرة الله على أن يحيي العظام وهي رميم، وأن يعيدها
[ ٦٣ ]
وهي تراب، ويقولون: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية: ٢٥]، يتحدون الله فيقولون: إذا كان هناك بعث فآباؤنا ماتوا فأحيوهم ونحن ننظر إلى ذلك ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، الله - جلا وعلا – أخبر أنه لا يغير سنته سبحانه من أجل استعجال الكافرين، الله قضى بأنه لا يكون البعث إلا في وقته، فلا يعجله من أجل استعجال الكافرين، ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ٢٦]، فالله قضى بأن البعث له معاد لا يتقدم، ولا يتأخر، والله - جل وعلا – لا يستفزه أحد، ولا يغير وعده وتوقيته ﷾ من أجلهم.
وكذلك يتحدون الرسول ﷺ يقولون: متى قيام الساعة؟ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦٣]، فقيام الساعة لا يعلمه إلا الله، لا يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب، فلما سأل جبريل رسول الله ﷺ بحضرة أصحابه «قال: أخبرني عن الساعة؟ قال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل»، يعني: أنا وأنت سواء، لأننا لا نعلمها؛ لأن هذا لا يعلمه إلا الله ﷾، ثم ما هي فائدتهم إذا عرفوا وقت قيامها؟ ليس لهم فائدة في هذا، إنما الفائدة في الاستعداد والعمل، وأما متى تقوم الساعة فهذا ليس لهم فيه فائدة، وإلا لبينه الله لهم، ولكن هذا من باب المكابرة والعناد، وإلا فمعلوم أنه لو جاءك أحد، وقال: إنه مقبل عليك عدو إن لم تستعد للقائه وتحذر منه فسوف يقتلك ويأخذك. هل من الحكمة أنك تقول:
[ ٦٤ ]
متى يأتي هذا العدو؟ هذا ليس من الحكمة، ولا من العقل، الحكمة أن تستعد وتكون على أهبة الاستعداد متى ما جاء، كذلك قيام الساعة، الحكمة أنك تستعد، وأما وقت قيامها فهذا ليس لك فيه مصلحة من قريب أو بعيد ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]، الرسول ﷺ لا يعلم هذا، ولا أحد يعلم هذا إلا الله - جل وعلا – لحكمة أخفاها عن جميع خلقه، لا يعلمها إلا هو.
كذلك من شبههم أنهم يقولون: هذه الأجسام صارت ترابا، نخرة ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾ [النازعات: ١١]، فكيف تعود فيها الحياة بعد أن كانت نخرة ورميما؟ ﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٤٩]، ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، يستبعدون هذا، الله - جل وعلا – رد عليهم بردود، منها:
أن الذي بدأ خلقهم قادر على أن يعيدهم من باب أولى، الذي يقدر على البداية قادر على الإعادة من باب أولى، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٧]، فالله ﷿ كل شيء عليه هين، ولكن هذا من باب ضرب المثل للعقول، فالعقول تدري أن الإعادة أسهل من البداءة، فلو يأتي شخص ويصنع جهازا مركبا من أدوات ومسامير ومن أشياء هائلة ودقيقة، ثم بعد ذلك ينتقض هذا الجهاز ويتشتت ويتقطع كل أداة على حدة، وكل مسمار على حدة، أليس الذي ركبه في الأول قادر على أن يركبه بسرعة مرة ثانية؟ الجواب: نعم؛ لأنه عرفه، وعرف مكان كل أداة ومكان كل مسمار، فالمهندس الذي ركبه في الأول سهل عليه أن يعيده وينظمه من جديد، هذا من ناحية العقل، الذي بدأ الشيء قادر
[ ٦٥ ]
على إعادته من باب أولى؛ ولهذا قال: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ نسي أن الله خلقه من العدم، ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨، ٧٩]، فالذي قدر على البداءة قادر على الإعادة من باب أولى، هذا في نظر العقول وإلا فالله - جل وعلا – لا يعجزه شيء، ولكن هذا من باب إفحام هؤلاء.
وكذلك الله - جل وعلا – احتج بأنه يحيي الأرض بعد موتها، فأنت تمر على الأرض هامدة ليس فيها شيء، جرداء بيضاء ليس فيها أي عود أو أي ورقة، فينزل عليها الغيث، ثم تربو وتنتفخ طبقتها، ثم تتفتق عن النبات، ثم بعد فترة وجيزة تصبح روضة خضراء فيها من أنواع النباتات والزهور والثمار، وكانت في الأول جرداء يابسة، من الذي أعادها وأحياها؟ الذي قدر على إحياء الأرض قادر على إحياء الأجسام: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩]، الذي يحيي الأرض بعد موتها قادر على إحياء الأموات بعد موتهم وإعادتهم كما كانوا. فهذا من أدلة البعث، إحياء الأرض بعد موتها بالنبات.
ثم هذه الحبة اليابسة إذا سقاها الله بالماء انفرجت عن عروق وعن ورق وعن سيقان، ثم في النهاية يكون لها سنابل وتثمر، وهي في الأول حبة يابسة أخرج الله منها هذا النبات العجيب، ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠]، فالنطفة مثل البذرة، نطفة من الماء يخلط فيها ماء الرجل وماء المرأة، ثم تتحول إلى علقة: أي إلى دم، ثم يتحول الدم إلى مضغة، أي قطعة لحم، ثم تتحول قطعة اللحم إلى أعضاء وعروق وسمع وبصر وحواس، ثم تنفخ فيه الروح، ثم يحيي:
[ ٦٦ ]
﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٣٧ – ٤٠] .
فالذي قدر على تحويل هذه النطفة من ماء الأمشاج – يعني: المختلط من ماء الذكر وماء الأنثى – إلى إنسان، هذا الذي خلق هذا الإنسان من هذا الماء وأنشأه قادر على إحيائه بعد موته، وإذا كانوا يقولون: إنه يضيع في الأرض ويتفتت. فالله - جل وعلا – يقول: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق: ٤]، فالتراب الذي تحول من هذا الإنسان يعاد لحما ودما وعظاما كما كان، هذا الرفات يعاد ويتكون كما كان، ولا يضيع منه شيء، حتى ولو فني كله وصار ترابا فهناك شيء لا يفنى، وهو عظمة يسيرة وهي عجب الذنب، لا يفنى ومنه يركب خلق الإنسان.
ثم أيضا لو لم يكن هناك بعث وحساب وجزاء للزم العبث في حق الله - جل وعلا -، وأنه يخلق الخلق للفناء فقط، وليس لحياتهم وأعمالهم نتيجة، خلقهم وأوجدهم واعتنى بهم، وهم يعملون، ومنهم من يعمل أعمالا صالحة، ويموت ولا ينال من جزائها شيئا، ومنهم من يعمل أعمالا قبيحة، ومعاصي، وكفرا، وإلحادا، ويموت ولا ينال من جزائه شيئا، هل ينتهي عند هذا؟ الجواب: لا، هذا فيه طعن في عدل الله - جل وعلا -: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥، ٣٦]، الله لا يجعل المسلمين كالمجرمين كلهم يموتون ولا ينالون من جزاء أعمالهم شيئا، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾
[ ٦٧ ]
[ص: ٢٧، ٢٨]، فلا يكون فيه بعث وجزاء، لا جزاء للمحسن على إحسانه ولا للمسيء على إساءته، هذا من باب العبث أن الله يخلق خلقا ويتركه ولا يصير له نتيجة، ويعملون أعمالا سيئة أو صالحة ولا يكون لها ثمرة ولا نتيجة، هذا من العبث، ومن باب الطعن في عدالة الله - جل وعلا -:
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥، ١١٦]، تعالى الله عن ذلك أن يكون خلق هذا الخلق ويتركهم يموتون ولا يصير لأعمالهم نتيجة، ولا يتميز المؤمن من الكافر، بل ربما يكون الكافر منعما في هذه الدنيا وهو على المعاصي والكفر، ويكون المؤمن مضيقا عليه في هذه الدنيا ولا ينال من جزائه شيئا، هذا يلزم فيه الطعن في عدالة الله - جل وعلا -، ويلزم عليه أنه خلق الخلق عبثا لا نتيجة لأعمالهم، فهذا من الطعن في حكمة الله - جل وعلا -، وفي عدل الله ﷾، فهذا من أدلة البعث ذكرها الله في القرآن الكريم في مواضع متعددة، فالإيمان بالبعث ركن من أركان الإيمان الستة، تكرر ذكره في القرآن الكريم.
[ ٦٨ ]