وأرى الجهاد ماضيا مع كل إمام برا كان أو فاجرا، وصلاة الجماعة خلفهم جائزة.
الجهاد: هو بذل الجهد في قتال الكفار لإعلاء كلمة الله، فالغرض من الجهاد هو إعلاء كلمة الله ونشر التوحيد وإبطال الشرك؛ لأن الدين لله – ﷿ -، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، فالعبادة حق لله، فمن عبد غير الله فإنه يدعى إلى الرجوع إلى الإسلام والتوبة وإخلاص التوحيد فإن أبى فإنه يقاتل.
لأن الله بعث رسوله ﷺ بالدعوة والجهاد، بالدعوة أولا ثم الجهاد بعد ذلك؛ لئلا ينتشر الكفر، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وفي الآية الأخرى: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ يعني: شرك، ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ ليس فيه عبادة لمخلوق بل العبادة للخالق ﷾.
هذا هو الغرض من الجهاد، وهو نشر التوحيد ومحو الشرك من الأرض؛ لأن الله خلق الخلق لعبادته، فإذا عبدوا غيره فإما أن يتوبوا ويرجعوا وإما أن يقاتلوا؛ لأنهم لو تركوا لنشروا الكفر؛ لأن الكفار يدعون إلى الكفر، فالكافر إذا كان كفره ينتشر يقاتل، أما إذا كان كفره قاصرا عليه، ولا يدعو إليه، وليس له نشاط في نشر الكفر، وإنما هو مقتصر على نفسه فهذا لا يقاتل، مثل: كبار السن من الكفار والنساء والأطفال والرهبان في صوامعهم، هؤلاء لا يقاتلون؛ لأن كفرهم قاصر عليهم، وكذلك من خضع للإسلام وبذل الجزية فإنه لا يقاتل، بل يترك على دينه وتؤخذ منه الجزية، ويكون تابعا لحكم الإسلام، وهذا شره يقتصر عليه، ومعلوم أن الذي تؤخذ منه الجزية أنه لا يدعو إلى الكفر،
[ ١١٩ ]
فلو دعا إلى الكفر لانتقض عهده، فهو مستسلم تحت حكم الإسلام ويدفع الجزية التي فيها الذلة والصغار، فهذا يترك، والشيخ الكبير، والصبي، والنساء، الذين لا يتعدى كفرهم إلى غيرهم، والرهبان الذين تركوا الناس وانعزلوا في صوامعهم للعبادة، هؤلاء لا يقتلون أيضا.
دل هذا على أن دين الإسلام ليس دين قتل وسفك دماء، وإنما هو دين رحمة وعدل، يريد أن يخرج الناس من الظلمات إلى النور لصالحهم هم، وكم حصل في الجهاد من منافع للناس، فالذين أسلموا من الكفار من الأعاجم أنقذهم الله من النار، لو تركوا لصاروا من أهل النار، فأسلموا وحسن إسلامهم وخرج منهم العلماء الأفذاذ، فهذه ثمرات الجهاد في سبيل الله ﷿، فالجهاد هو ذروة سنام الإسلام، ولكن الجهاد له شروط:
الشرط الأول: أن يكون بالمسلمين قوة يقوون بها على جهاد الكفار، أي: عندهم عدة واستعداد لجهاد الكفار، فإذا لم يكونوا على استعداد؛ كأن يكون فيهم ضعف والكفار أقوى منهم، فلو قاتل المسلمون الكفار لأبيدت خضراء المسلمين، فلا يجوز القتال في هذه الحالة؛ لأن هذا يلزم عليه مفسدة أكبر من المصلحة، وهي تسلط الكفار على المسلمين؛ ولهذا فالنبي ﷺ بقي في مكة ثلاثة عشر عاما مقتصرا على الدعوة إلى الله، والمسلمون يؤذون ويضايقون ولم يؤمر بالجهاد، بل الله أمرهم بالصبر وكف الأيدي حتى يأذن الله - جل وعلا – لهم بالجهاد: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النساء: ٧٧]، هذا في مكة، أمروا بكف أيديهم، ولكن مع هذا يقومون بالدعوة إلى الله ﷿، فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة،
[ ١٢٠ ]
وانتشر الإسلام وكان بالمسلمين قوة أمره الله بالجهاد؛ لأنهم صاروا أقوياء ومستعدين للجهاد، وهذا ليس خاصا بالوقت الأول، هذا عام للمسلمين إلى آخر الزمان، إن كان عندهم قوة واستطاعة يجب عليهم الدعوة والجهاد، وإذا كان ليس عندهم قوة فيبقون على الدعوة، وأما الجهاد فيؤجلونه إلى وقت القدرة على ذلك؛ لأنهم لو قاتلوا وهم ضعفاء لتسلط عليهم الكفار وتغلبوا عليهم.
الشرط الثاني: أن يكون الجهاد تحت راية يعقدها ولي أمر المسلمين، وليس كل يجاهد، وكل يقاتل، وكل يكون له جماعة، هذا لا يجوز في الإسلام، هذا ضرر على المسلمين أنفسهم قبل أن يضروا الكفار؛ لأن المسلمين يتناحرون فيما بينهم، كل واحد يريد أن يكون هو الذي يظفر بالنتيجة، وجرب هذا في عصابات قاتلت العدو فلما انهزم العدو واندحر تقاتلوا فيما بينهم، كل يريد أن يكون هو الذي يأخذ السلطة، هذا نتيجة أنهم ما قاتلوا تحت راية واحدة وتحت إمام واحد، وإنما تفرقوا إلى عصابات وجماعات، فلا يجوز هذا في الإسلام، لا بد أن يكون الجهاد تحت راية موحدة.
ولهذا قال الشيخ: «وأرى الجهاد ماضيا مع كل إمام»، أي: إمام للمسلمين يقودهم وينظمهم، ويشرف عليهم، ويعد العدة ويسلحهم، لا بد أن يكون الجهاد تحت راية الإمام وبأمره حتى ينجح الجهاد، أما إذا كان بدون إمام وبدون راية فإنه يؤول إلى الفشل في النهاية، فقوله: «مع كل إمام»، دل على أنه يشترط وجود الإمام الذي يقاتل تحت رايته.
ولا يشترط في الإمام أن يكون بارا مائة بالمائة مثل: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز والصحابة، لا يشترط أن يكون الإمام صافيا ليس فيه نقص، بل ولو كان فاجرا، يعني: فاسقا،
[ ١٢١ ]
فسقه لم يصل إلى حد الكفر، فإذا بقيت إمامته فإنه يبقى له صلاحية الجهاد ويطاع في الجهاد، ويصلى خلفه، لأنه مسلم ولو كان عاصيا، ولو كان فاسقا، ولو كان جائرا وظالما، لأن المصلحة في الجماعة أرجح من المصلحة في التفرق عليه والاختلاف عليه.
هذه مسألة عظيمة يغفل عنها كثير من الحماسيين الذين ليس عندهم فقه في الدين، يقولون: كيف نطيعه وهو فاسق وهو عاص؟ الجواب: نطيعه للمصلحة العامة، وارتكاب أخف الضررين لدفع أعلاهما مطلوب في الإسلام، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، والمسلمون قاتلوا مع الحجاج ومع يزيد بن معاوية وهم فساق، لجمع الكلمة، بل كان هناك صحابة في راية يزيد بن معاوية في غزو القسطنطينية، منهم أبو أيوب الأنصاري ﵁. وقاتلوا مع الحجاج وهو معروف بالظلم، فهو ظالم فاتك باطش، لكن لأجل مصلحة الإسلام والمسلمين، وتغتفر المسألة الجزئية في مقابل المصلحة العامة الكلية، هذه قاعدة في الإسلام.
فلا يشترط في الإمام الذي يتولى أمور المسلمين ويقودهم للجهاد أن يكون صالحا مستقيما مائة بالمائة، بل ولو كان عنده شيء من المعاصي والمخالفات ما دام لم يصل إلى حد الكفر بالله ﷿، ولكن الجهال المتحمسين لا يتحملون هذا الكلام، لأنهم جهال، والصحابة تحملوه وأطاعوا الرسول ﷺ في ذلك لفقههم وإيمانهم، أما الجهال المتحمسون فلا يتحملون هذا، والمغرضون أيضا لا يتحملون هذا، فهم أناس قد يكونون ليسوا بجهال يعرفون هذا، لكنهم مغرضون يريدون تشتيت المسلمين، فيحرضونهم على ولاتهم بسبب أن الولاة يرتكبون أشياء من الأخطاء، وذلك لأجل تفريق الكلمة وإضعاف المسلمين،
[ ١٢٢ ]
فيجب الفطنة لهذه الأمور والحذر منها وعدم الاندفاع بدون فقه وبدون علم.
هذه مسألة عظيمة، الآن حصل فيها سوء فهم، وحصل فيها تضليل بسبب الجهل أو بسبب الهوى.
وقوله: «برا» وهو: الصالح المستقيم، «أو فاجرا» يعني: فاسقا ولكن لم يصل إلى حد الكفر، لأن المصلحة في طاعته والجهاد معه أرجح من المفسدة في الصبر على فسقه وعلى مخالفته.
وقوله: «وصلاة الجماعة خلفهم جائزة»، لا شك أن صلاة الجماعة خلف الأئمة الفساق جائزة وصحيحة، ما داموا يصلون فصل خلفهم، فقد صلى الصحابة خلف الحجاج، وصلوا خلف عبيد الله بن زياد، وصلوا خلف الأمراء الفساق الذين يشربون الخمر، وكذلك خلف الوليد بن عقبة، صلوا خلفهم لأجل جمع الكلمة، وهؤلاء مسلمون تصح صلاتهم، وما دامت تصح صلاتهم فتصح إمامتهم جمعا للكلمة.
[ ١٢٣ ]