وإني أقول: إن اختلاف العلماء نقمة.
هذا كذب على الشيخ؛ لأن اختلاف العلماء في أمور الفروع والاجتهاد ليس نقمة، العلماء اجتهدوا وبحثوا، فإن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد، فالاجتهاد مطلوب، والاختلاف فيه لا يذم، فالصحابة ﵃ كانوا يختلفون في الفتوى، كل يقول بحسب ما ظهر له من الدليل، فهذا النوع من الاختلاف محمود؛ لأنه بحث عن الحق.
أما الاختلاف المذموم فهو الاختلاف في الحق، فلا يجوز الاختلاف في الحق بعدما تبين، بل يجب أخذ الحق، ولا تجوز مخالفته.
فالاختلاف على قسمين:
الأول: اختلاف مذموم، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥]، فالتفرق والاختلاف مذمومان، فالذي يسبب الارتباك في الحق، والتعصب للباطل مذموم.
الثاني: الاختلاف الذي يبحث فيه عن الحق، فهذا محمود، من أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد، وإذا علمنا أنه أخطأ فنحن لا نأخذ بقوله بل بقول من أصاب، هذا هو المطلوب.
ولهذا الفقهاء يقولون: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، مثلا: تحية المسجد وقت النهي، بعض العلماء يرى أنها تصلى عملا بقوله ﷺ: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين»، قالوا
[ ١٤٨ ]
هذا عام في أوقات النهي وفي غيرها؛ لأنها من ذوات الأسباب. بينما الجمهور يقولون: وقت النهي لا يصلى فيه، لا تحية المسجد ولا غيرها من النوافل؛ لأن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ونهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، فقدموا عموم النهي على عموم الأمر، فمن أخذ بهذا القول فإنه لا ينكر عليه، ومن أخذ بالقول الأول فلا ينكر عليه؛ لأن كلا له مستند، وهذه مسائل اجتهادية لا يجوز فيها التعادي، فالصحابة يختلفون – وهم إخوة - في المسائل الفرعية.
والنبي ﷺ لما رجع من الأحزاب وجهز الصحابة لغزو يهود بني قريظة فقال: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة»، بعض الصحابة قال: مقصود الرسول ﷺ المبادرة، وليس المقصود ألا نصلي إلا عندما نصل بني قريظة. فصلوا في الطريق، والبعض الآخر قالوا: الرسول يقول: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة»، فأخروا العصر إلى أن وصلوا إلى بني قريظة، فلما سألوا النبي ﷺ لم ينكر على الفريقين؛ لأن كل واحد منهم له مأخذ من الدليل، فالاجتهاد من هذا النوع لا إنكار فيه، ولا يقال: إنه نقمة، بل يقال: إنه اجتهاد وبحث عن الحق.
[ ١٤٩ ]