إلا أنهم لا يستحقون من حق الله تعالى شيئا، ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله.
قوله: «لا يستحقون من حق الله تعالى شيئا»، هذا احتراز من المؤلف ﵀، وهو رد على الذين يغلون في أصحاب الكرامات، ويعبدون الأولياء والصالحين من دون الله، ويقولون: لهم كرامات.
كما عليه القبوريون الذين يتقربون إلى الأموات، ويعتقدون في بعض الأحياء أنه وصل إلى درجة يستطيع فيها أن ينصرهم وأن يعطيهم أشياء لا يقدر عليها إلا الله، بناء على أن له كرامات، فيقولون: إن له كرامات وهذا دليل على أنه ينفع ويضر.
فالمؤلف ﵀ يرد على هؤلاء، وغالب ما عليه القبوريون مبني على هذا الوهم، الغلو في أصحاب الكرامات، فنحن نحب الصالحين، والذين تجري على أيديهم كرامات، نحبهم ونجلهم ونقتدي بهم، ولكن لا نعطيهم شيئا من العبادة كما يفعله الخرافيون.
قوله: «من حق الله تعالى»، وحق الله هو العبادة؛ كما قال ﷺ: «وحق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» .
وقوله: «ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله»؛ كإجراء الرزق وشفاء المريض وهبة الولد وغير ذلك، هذا لا يقدر عليه إلا الله، أما ما يقدرون عليه من أمور الدنيا فيطلب منهم إذا كانوا أحياء، حتى ولو كان ليس لهم كرامات، تطلب من الإنسان أن يساعدك بالمال؛ كأن يكون غنيا تطلب منه أن يقرضك أو يتصدق عليك، وإذا وقعت في
[ ١١٤ ]
كربة تطلب منه أن يساعدك في الخروج منها، وفي الحديث: «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة»، فيستغاث بالمخلوق الحي فيما يقدر عليه؛ كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥]، استغاث بموسى ﵇ ﴿الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ﴾ من بني إسرائيل ﴿عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ من آل فرعون ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾ أغاث هذا الرجل المظلوم، وكما يستغيث الرجل بأصحابه في الحرب وغيرها، يستنجد بهم، فالاستغاثة بالحي فيما يقدر عليه لا بأس بها، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] .
أما الاستغاثة بالأموات فلا تجوز مطلقا؛ لأن الأموات لا يقدرون على شيء، لا الرسول ﷺ ولا غيره، هم في عالم وأنت في عالم آخر، فلا تطلب من الأموات شيئا بحجة أن لهم كرامات وأنهم يقدرون، هذا باطل، فالميت لا يطلب منه شيء ولو كان من أفضل الناس.
وكذلك الحي لا يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله، لا يطلب منه شفاء المريض، أو إعطاء الولد، أو جلب الرزق له، فما يطلب من المخلوق شيء لا يقدر عليه إلا الله ﷾.
[ ١١٥ ]