وأؤمن بأن الله فعال لما يريد، ولا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره.
انتهى الشيخ ﵀ من مسألة الكلام، وبين عقيدته فيها، وأنها عقيدة أهل السنة والجماعة، وأنه يتبرأ من عقيدة الجهمية والمعتزلة والأشاعرة الذين خاضوا في كلام الله، وقالوا مقالات شنيعة، ومن مقالة الكفار الذين قالوا: إن محمدا هو الذي اخترع هذا القرآن، وجاء به ونسبه إلى الله ﷿، هذه مقالة الكفار؛ ولهذا يقول الوليد بن المغيرة: إن هذا إلا قول البشر، قال تعالى مخبرا عنه: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ١٨ - ٢٥]، يعني: أن القرآن قول محمد ولم يقله الله جل وعلا.
فالجهمية شابهوا الكفار في هذا وقالوا: إن القرآن ليس كلام الله، وإنما هو قول محمد.
قال ﵀ بعد ذلك: «وأؤمن بأن الله فعال لما يريد»، وهذه مسألة أخرى، وهي الإيمان بأفعال الله - جل وعلا – له أسماء، وله صفات، وله أفعال، وله إرادة ومشيئة، «﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾»، يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويدبر، هذه أفعال الله - جل وعلا -، وهي بإرادته ومشيئته ﷾، ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨]،
[ ٥٥ ]
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، يفعل ما يشاء، ويفعل ما يريد.
وقوله: «ولا يكون شيء إلا بإرادته»، ما يكون في هذا الكون فهو من خلقه وإيجاده ﷾ وبمشيئته وإرادته، لا يكون في هذا الكون شيء بغير إرادته، أو بغير خلقه، أو أن أحدا يخلق مع الله - جل وعلا -.
هذا رد على المعتزلة الذين يقولون: إن العبد يخلق فعل نفسه، وإن الله لم يخلق أفعال العباد، وإنما هم الذين خلقوها مستقلين عن الله - جل وعلا -، وليس لله فيها إرادة ولا مشيئة.
فنحن نؤمن بأن أفعال العباد هي خلق الله، وهي كسب العباد، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، أي: وخلق ما تعملون.
قوله: «ولا يخرج شيء عن مشيئته»، في هذا الكون، لا يمكن يحدث شيء من كفر أو إيمان أو طاعة أو معصية أو غنى أو فقر أو حياة أو موت أو رزق إلا بمشيئته ﷾، مشيئته شاملة وإرادته شاملة، وكل شيء بإرادته ومشيئته، لا كما تقوله المعتزلة: إن العباد هم الذين يخلقون أفعالهم استقلالا وليس لله فيها أي تدخل، لكونهم هم الذين يخلقون أفعالهم. فيصفون الله - جل وعلا - بالعجز، ويعطلونه عن الخلق والفعل ويجعلونه معه خالقا غيره، وعلى نقيضهم الجبرية الذين يقولون: إن العباد ليس لهم أفعال، إنما هي أفعال الله يحركهم فيها كما تحرك الآلة، ليس لهم إرادة ولا مشيئة، فهم على النقيض من المعتزلة.
فالجبرية غلوا في إثبات أفعال الله، وغلوا في نفي أفعال العباد، وقالوا: العباد ليس لهم أفعال، فهم غلوا في إثبات وغلوا في نفي.
[ ٥٦ ]
والقدرية والمعتزلة على العكس غلوا في إثبات أفعال العباد، فهم على طرفي نقيض.
أما أهل السنة والجماعة فيقولون: إن الله هو الذي يخلق ويرزق ويدبر؛ كما يشاء وكما يريد، والعباد لهم مشيئة، ولهم إرادة ولهم اختيار، يفعلون الأفعال باختيارهم ومشيئتهم وإرادتهم، فلهم مشيئة ولهم إرادة، لا كما تقوله الجهمية الجبرية، ولكن مشيئتهم ليست مستقلة كما تقول المعتزلة، وهذا كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: ٢٩]، فقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ﴾ رد على الجبرية الذين ينفون مشيئة العبد، وقوله ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ رد على المعتزلة القدرية الذين ينفون إرادة الله ومشيئته، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩]، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠] .
والعقاب والثواب إنما على أفعال العباد التي فعلوها بإرادتهم ومشيئتهم واختيارهم، يعذبون على المعاصي؛ لأنهم هم الذين فعلوا هذه الأشياء باختيارهم، وكانوا يستطيعون تركها وتجنبها والابتعاد عنها، وهم منهيون عنها، فهم أقدموا عليها باختيارهم، فيعذبون على هذا؛ ولذلك الذي ليس له مشيئة ولا اختيار؛ كالمجنون والصغير والنائم لا يؤاخذ، لأنه ليس له مشيئة ولا إرادة، أما العاقل البالغ فهذا يؤاخذ على أفعاله؛ لأنه يستطيع الفعل والترك، الله أعطاه الإمكانية لهذا وهذا، يستطيع يصلي ويستطيع يزني في آن واحد، وهو يستطيع هذا وهذا، فإن كف عن الزنا وأقام الصلاة آجره الله ﷿، وإن عكس وأتى الزنا وترك الصلاة عاقبه الله على أفعاله، وعلى إرادته.
قوله: «وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره»، كل هذا رد
[ ٥٧ ]
على المعتزلة القدرية، «ولا يصدر إلا عن تدبيره»، قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨]، وقال: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠] .
[ ٥٨ ]