وهم وسط في باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية، وهم وسط في باب أصحاب رسول الله ﷺ بين الروافض والخوارج.
قوله: «الحرورية والمعتزلة»، الحرورية هم الخوارج، سموا بالحرورية؛ لأنهم اجتمعوا في مكان في العراق يقال له: حروراء، اجتمعوا فيه لحرب المسلمين، فسموا بالحرورية، وكل من اعتقد مذهبهم يقال له: حروري؛ لأنه على مذهب الحرورية، والمعتزلة: أتباع واصل بن عطاء الذي اعتزل مجلس الحسن البصري.
وأهل السنة وسط في جميع أمور الدين – ولله الحمد – بين الإفراط والتفريط، وبين الغلو والتساهل؛ كما قال الله - جل وعلا -: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، والوسط هو: العدل الخيار، المتوسطة بين طرفين: طرف الإفراط وهو الغلو، وطرف التفريط وهو التساهل، فالإفراط أخذ به الخوارج، والتفريط أخذ به المرجئة، وأهل السنة وسط – ولله الحمد – بين هذا وهذا.
قوله: «في باب أصحاب رسول الله ﷺ»، الصحابة: جمع صحابي، والصحابي هو: من لقي النبي ﷺ مؤمنا به ومات على ذلك.
فقولهم: «من لقي النبي ﷺ» يخرج به من آمن بالنبي ولم يلقه، هذا لا يسمى صحابيا، مثل النجاشي ﵀ فإنه آمن بالنبي ﷺ ولكنه لم يلقه، فلا يقال: إنه صحابي، ولما مات نعاه النبي ﷺ إلى أصحابه وخرج بهم وصلى عليه صلاة الغائب.
[ ٤٠ ]
«من لقي النبي ﷺ مؤمنا به»، يخرج بذلك من لقي النبي ولم يؤمن به، فإن الكفار لقوا النبي ﷺ، لقوه ورأوه واجتمعوا به.
«ومات على ذلك» يخرج بذلك من لقي النبي ﷺ وآمن به وصار صحابيا ثم ارتد، فإنه تبطل صحبته وتبطل جميع أعماله من الصحبة وغيرها إذا مات على الردة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]، أما لو تاب تاب الله عليه وعادت إليه الصحبة، وجميع الأعمال التي فعلها قبل الردة على الصحيح؛ لأن الله قال: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾، فدل على أن الذي يتوب ولا يموت على الكفر أنه لا تحبط أعماله؛ لأن الله شرط لحبوط الأعمال شرطين:
الأول: أن يرتد.
الثاني: أن يموت وهو كافر.
فهذا هو الذي يحبط عمله من الصحبة وغيرها.
والواجب على المسلمين في حق الصحابة: محبتهم والاقتداء بهم والثناء عليهم وإكرامهم؛ لأنهم صحابة رسول الله ﷺ الذين جاهدوا معه، وتلقوا العلم عنه، وبلغوه للأمة، ﵃ وأرضاهم، والله - جل وعلا –، يقول: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ اتبعوهم: اقتدوا بهم وساروا على نهجهم، بإحسان لا يتبعون الصحابة دون معرفة لمذهبهم، هذا اتباع بغير إحسان، والإحسان معناه: الإتقان، والإتقان لا يكون إلا بمعرفة الشيء وفقهه،
[ ٤١ ]
فما كل من انتسب إلى الصحابة وقال: أنا على مذهب السلف، يكون كذلك حتى يكون محسنا، يعني متقنا لهذا الاقتداء، وهذا لا يحصل إلا بالتعلم، لا يحصل بمجرد الانتساب أو بمجرد الرغبة في الخير أو المحبة للخير، لا بد أن تعرف ما عليه الصحابة معرفة تامة ثم تتابعهم عليه، أما مجرد الانتساب من غير تحقيق فلا ينفع.
فقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾، أي لم يغلوا ولم يتساهلوا في متابعة الصحابة ﵃، هذا هو الإحسان، يكون بين الغلو وبين التساهل.
وقال ﷾: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]، وقال ﷾: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ هذه صفات الصحابة ﵃ ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ﴾ يعني صفتهم ﴿فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ [الفتح: ٢٩] .
الصحابة أول ما بدأ الإسلام كانوا أفرادا قليلين، «سئل النبي ﷺ وهو في مكة: من معك على هذا الأمر؟ قال: حر وعبد»، حر: وهو أبو بكر، وعبد: وهو بلال. هذا أول ما بدأ الإسلام لم يكن معه ﷺ إلا قليل كما قال ﷺ: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ»، بدأ الإسلام على هذا المبدأ ثم تكاثر الصحابة حتى بلغوا مبلغ الكمال.
[ ٤٢ ]
وقوله تعالى: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ يعني فراخه، فالحبة الواحدة أول ما تظهر تكون قصبة واحدة، ثم تُفرخ ويصير بجانبها فراخها، الصحابة كذلك أول ما نشؤوا كانوا قلة، ثم تكاثروا مثلما يتكاثر الزرع بالفراخ ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ﴾ يعني قواه وأيده ﴿فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ ارتفع على قصبه ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ من حسنه، هذه صفة الصحابة ﵃.
﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ ليغيظ بالصحابة الكفار، فالذين يغتاظون من الصحابة ويبغضونهم هم الكفار والمنافقون. واستدل أهل العلم بهذه الآية على أن من يبغض الصحابة فإنه كافر؛ لأن الله قال: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾، وقال ﷾: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨]، وصفهم بأنهم بهذه الأوصاف العظيمة، ثم قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾، ثم قال في الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] .
هذه في صفة الأنصار، الآية الأولى في المهاجرين وهذه في الأنصار، ثم قال في التابعين: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ وهذا يشمل من جاء من بعدهم إلى يوم القيامة: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا﴾ يعني: بغضا ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] .
هذه صفة أمة محمد ﷺ من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم القيامة.
[ ٤٣ ]
فالواجب للصحابة محبتهم، والثناء عليهم، واتباعهم، والاقتداء بهم، وعدم الخوض فيما جرى بينهم في أيام الفتنة، لا تدخل في هذا أبدا أيها المؤمن، ولا تخض فيه، ولا تخطّئ بعضهم وتصوب بعضهم؛ لأنهم مجتهدون ﵃ يريدون الحق، فعليك أن تمسك لسانك ولا تتكلم فيهم، ويجب أن تحفظ فيهم وصية الله – جل وعلا – ووصية رسوله، قال ﷺ: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه»، وقال ﵊: «الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا بعدي»، وحب الصحابة من حب الرسول ﷺ، فمن أحب الصحابة فقد أحب الرسول ﷺ، ومن أبغض الصحابة فقد أبغض الرسول ﷺ، فهذا الواجب لصحابة رسول الله ﷺ، ورضي الله عنهم أجمعين.
وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة مع صحابة رسول الله ﷺ.
والذين ضلوا في هذا على فريقين:
* فريق النواصب.
* وفريق الروافض.
فالروافض يكفرون الصحابة ولا يستثنون إلا أربعة من الصحابة هم: علي، وأبو ذر، وسلمان، والمقداد بن الأسود، ويغلون في علي ﵁ ويقولون: إن عليا هو الوصي بعد رسول الله ﷺ، وأن خلافة
[ ٤٤ ]
أبي بكر باطلة وظلم واغتصاب، وخلافة عمر وعثمان كلها ظلم واغتصاب؛ لأن الخلافة لعلي.
أما النواصب فيبغضون عليا ﵁ ويتكلمون فيه وفي أولاده.
والخوارج كفروا الصحابة جميعا.
وأهل السنة والجماعة يتولون جميع صحابة النبي ﷺ، أهل بيت الرسول وغيرهم، يتولونهم جميعا ولا يفرقون بينهم، نعم بعضهم أفضل من بعض، فالخلفاء الراشدون وبقية العشرة المبشرين بالجنة أفضل من غيرهم من الصحابة، وأهل بدر أفضل من غيرهم، وأهل بيعة الرضوان، والمهاجرون أفضل من الأنصار، لكن التفضيل لا يقتضي انتقاص المفضول أو الكلام فيه، كلهم لهم فضل الصحبة لرسول الله ﷺ.
فأهل السنة وسط في صحابة رسول الله ﷺ بين الروافض والخوارج والنواصب، يتولون الجميع، ويحبون أهل بيت رسول الله ﷺ، ويوقرونهم، لكنهم لا يغلون فيهم؛ كغلو الرافضة حتى قالوا: إن الخلافة لعلي ولذريته، وأن الصحابة اغتصبوها وظلموهم، ويلعنون أبا بكر وعمر ويسمونهم. صنمي قريش، - قبحهم الله – وكل آية فيها ظلم وكل آية فيها كفر ينزلونها على الصحابة.
قوله: «وهم وسط في باب أصحاب رسول الله ﷺ بين الروافض والخوارج»، بين الروافض والخوارج، والنواصب أيضا، الخوارج كفروا عليا وعثمان وكثيرا من الصحابة، بينما الروافض على العكس غلوا في علي ﵁ واعتقدوا أنه الخليفة بعد رسول الله ﷺ وأنه هو الوصي، وأن الصحابة ظلمة اغتصبوا حقه.
والخوارج كفروا عليا والصحابة، بينما الروافض بالعكس غلوا في علي، حتى إن غلاتهم يقولون: هو الله، والذين دون الغلاة لا يقولون
[ ٤٥ ]
إنه هو الله، لكن يكفرون الصحابة ويصفونهم بالظلم والطغيان، ويلعنونهم ويشتمونهم، فهم على طرفي نقيض.
أهل السنة والجماعة – كما ذكرنا – تولوا جميع الصحابة وعرفوا قدر أهل البيت، ولم يفرقوا بين أحد منهم عملا بوصية رسول الله ﷺ.
هذا هو المذهب في الصحابة ﵃، وهم أفضل الأمة، قال ﷺ: «خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»، فهم خير القرون، وهم أفضل الأمة، وهم الذين أوصى بهم الله - جل وعلا – وأوصى بهم الرسول ﷺ، وهم الذين نشروا الإسلام لما تحملوه عن الرسول ﷺ وبلغوه للأمة، من أين وصلنا هذا الإسلام إلا عن طريق الصحابة ﵃، هم الواسطة بيننا وبين الرسول ﷺ، فالأحاديث كلها رواتها من الصحابة رووها عن الرسول ﷺ.
الحاصل: أن هذه عقيدة الشيخ ﵀ عقيدة أهل السنة والجماعة، والذين يقولون: إن الشيخ خارجي، وأنه يُكفّر، فقد كذبوا عليه.
[ ٤٦ ]