وأرى هجر أهل البدع ومباينتهم حتى يتوبوا، وأحكم عليهم بالظاهر، وأكل سرائرهم إلى الله، وأعتقد أن كل محدثة في الدين بدعة.
البدع: جمع بدعة، وهي ما أحدث في الدين من العبادات التي ليس عليها دليل من كتاب أو سنة؛ لأن العبادات توقيفية، فلا نعمل شيئا منها إلا بدليل من الكتاب والسنة، فمن جاء وأحدث شيئا يتقرب به إلى الله من ذكر أو صلاة أو عبادة ويقول: هذا زيادة خير. فيقال له: لا، هذا زيادة شر وليس هو زيادة خير؛ لأن الدين كامل لا يقبل الإضافات والزيادات، فقد توفي رسول الله ﷺ والدين كامل، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فالله شهد لهذا الدين بأنه كامل، فلا يقبل الزيادة والإضافات، حسبنا أننا نعمل بما في هذا الدين من العبادات، أما أن نزيد ونقول: هذه زيادة خير؛ فهذه بدعة، وقد قال ﷺ: «من يعش منكم فسيرى اختلافا كبيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدع ضلالة»، وكان في خطبه يقول: «أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة»، فهذا فيه رد على الذين يقسمون البدعة إلى حسنة وسيئة، فالبدع في الدين ليس فيها شيء حسن وإنما كلها سيئة؛ لأن الرسول ﷺ يقول: «كل بدعة ضلالة»، وهذا المبتدع يقول: ليس كل
[ ١٣١ ]
بدعة ضلالة بل منها شيء حسن، فهذا يرد على الرسول ﷺ.
قال الشاعر:
خير الأمور السالفات على الهدى وشر الأمور المحدثات البدائع
فالذي يقول: إن هناك بدعة حسنة، يقال له: هذه بدعة ضلالة وشر وليست حسنة، ليس في الدين بدعة حسنة أبدا، فنجتنب البدع ونقتصر على السنن، ففيها خير وكمال، ولا يكفي أننا نجتنب البدع، بل نهجر المبتدعة، ولا نجلس معهم، ولا نصادقهم حتى يتركوا البدعة؛ لأننا إذا صادقناهم وجالسناهم شجعناهم على البدعة، فنحن نهجرهم بمعنى أننا نترك مجالستهم ونترك مصادقتهم حتى يتوبوا إلى الله.
هذا الواجب على أهل السنة، أنهم يهجرون أهل البدع، ولو حصل هذا لما انتشرت البدع، ولكن لما حصل التساهل مع المبتدعة، صاروا يعيثون في الأرض فسادا، وينشرون البدع، ولا يوجد من ينكر عليهم، صاروا أصدقاءنا وجلساءنا وانتشرت البدع بهذه الطريقة، أما لو أن أهل البدع هجروا لقل شرهم.
فقول الشيخ: «وأرى هجر أهل البدع ومباينتهم»، الهجر: هو الترك، يعني: تركهم وعدم الجلوس معهم وعدم مصادقتهم، «حتى يتوبوا» فإذا تابوا تاب الله عليهم، وصاروا جلساءنا وأحبابنا.
وقوله: «وأحكم عليهم بالظاهر»، أي: نحكم على الناس بالظاهر لنا، ولا ندري عن القلوب، ولكن من فعل الخير شهدنا له بالخير بناء على الظاهر، ومن فعل الشر شهدنا له بالشر بناء على الظاهر، وأما القلوب فلا يعلمها إلا الله.
لكن المرجئة الآن يقولون: من فعل الكفر أو الشرك أو منكرا
[ ١٣٢ ]
فإنك لا تحكم عليه بما ظهر منه؛ لأنك لا تدري عن الذي في قلبه.
وقول الشيخ: «وأعتقد أن كل محدثة بدعة»، بخلاف من يقول: إنه هناك محدثات في الدين فيها خير، بل كل محدثة في الدين بدعة، وهذا مأخوذ من حديث: «كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» .
أما أمور العادات؛ كالملابس والمساكن والمراكب، هذه مما خلق الله ليس فيها بدعة، الأولون ما كانوا يركبون السيارات ونحن نركبها؛ لأنها مما أباح الله لنا، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، فأمور العادات والملابس والمساكن والمراكب والمزارع، هذه كلها من الأمور التي لا تدخل في العبادة بل نستخدمها في العبادة، ونستعين بها على العبادة، ونركب السيارة للحج، ونركبها لطلب العلم، ونركبها للجهاد، ومكبرات الصوت نستخدمها لإلقاء الخطب والمحاضرات، ونستعين بها على العبادة؛ لأنها مما أباح الله لنا أن نستعين بها، وليست بدعا، إنما هي مما خلق الله لنا، ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، فالأصل في هذه الأمور الإباحة، أما العبادات فالأصل فيها الحظر إلا بدليل، أما في العادات والملابس والمراكب والمآكل والمشارب الأصل فيها الإباحة إلا ما دل الدليل على تحريمه.
[ ١٣٣ ]