والجهاد ماض منذ بعث الله محمدا ﷺ إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل.
الدجال: هو المسيح الدجال الكذاب، سمي بالدجال لكثرة الدجل عنده والكذب، وما عنده من الفتنة الشديدة، وكل نبي حذر أمته فتنة المسيح الدجال، وأشدهم تحذيرا نبينا محمد ﷺ، لأنه أقرب الناس إلى خروجه، وهو يخرج في آخر الزمان، يخرج في اليهود، وتجمع اليهود في فلسطين الآن هذا إرهاص لخروج الدجال، لأنه يخرج في اليهود قبحهم الله.
ويحصل منه فتنة عظيمة ويدور في البلاد، وما من بلد إلا يدخله إلا مكة والمدينة، فإنه لا يدخلهما، ولكن الأشرار الذين في مكة والمدينة يخرجون إليه، ولا يبقى فيهما إلا أهل الإيمان، لأن المدينة إذا جاء الدجال ترجف فيخرج منها كل منافق، ولا يبقى فيها إلا أهل الإيمان الصادق.
ثم ينزل عيسى بن مريم مسيح الهداية ﷺ، ينزل من السماء، ثم يطلب الدجال فيقتله في باب لد في فلسطين، يقتله وينصر الله الإسلام والمسلمين، ويحكم المسيح بن مريم بدين الإسلام، بدين محمد ﷺ، ويقوي الإسلام في عهده ﵊، ثم بينما هم كذلك إذ ظهرت يأجوج ومأجوج الذين ذكر الله ﷿، فيأمر الله عيسى أن يحرز المسلمين إلى الطور ويقول: «إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد في قتالهم فحرز عبادي إلى الطور»، فيعيثون في الأرض فسادا
[ ١٢٤ ]
ويذبحون في المسلمين مذابح، ثم ينزل الله بهم المرض فيقتلهم عن آخرهم ويموتون عن آخرهم، فيفرج الله للمسلمين بذلك، هذه قصة خروج الدجال باختصار، فنحن نؤمن بخروج المسيح الدجال.
وهناك كتاب جهال يقولون: لا يوجد دجال، وإنما هذا عبارة عن كثرة الكذب في آخر الزمان، وليس هناك نزول عيسى، وإنما هذا عبارة عن ظهور الحق. وهذا إنكار للمتواتر من سنة رسول الله ﷺ، بل إن القرآن دل على نزول عيسى ﵇، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] هذا دليل على أنه ينزل في آخر الزمان، واليهود الذين كفروا به في الأول يؤمنون به، ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾، وفي الآية الأخرى قال في عيسى ﵇: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١]، يعني: أن نزوله في آخر الزمان علامة على قرب قيام الساعة، وفي قراءة: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾، فنزول عيسى بن مريم من السماء علامة على قرب قيام الساعة، فهو من علامات الساعة وأشراطها.
فقوله: «إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال»، فيقاتلونه ويقاتلون اليهود وتصير ملاحم بين المسلمين واليهود، وينصر الله المسلمين، حتى يقول الحجر والشجر: يا مسلم، هذا يهودي خلفي تعال فاقتله. فيقتلون اليهود مقتلة عظيمة، وينصر الله المسلمين عليهم.
وقوله: «لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل»، يعني: أن الجهاد لا يبطله جور جائر، فلا أحد يمنع الجهاد، ويقول: ليس فيه جهاد والإسلام ليس دين قتال. والآن يقولون هذا، يقولون: الإسلام ليس
[ ١٢٥ ]
دين جهاد ولا دين سفك دماء، نقول: نعم، الإسلام ما هو بدين سفك دماء، ولكنه دين جهاد لا لأجل سفك الدماء وإنما لأجل مصلحة البشرية، والله - جل وعلا – يقول في حق نبيه ﵊: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، فمن رحمة الله بالعالمين أن شرع الجهاد لإنقاذهم من الظلمات إلى النور، ومن الكفر إلى الإيمان، فنحن لا نقاتل الكفار طمعا في أموالهم أو في دمائهم أو في بلادهم، وإنما نقاتلهم لنشر الإسلام ولصالحهم، فدخولهم في الإسلام من مصلحتهم هم؛ ليموتوا على الإسلام ويدخلوا الجنة، ولكن لو تركوا وماتوا على الكفر دخلوا النار، فالجهاد هو لمصلحة الكفار أكثر؛ لأنه إنقاذ لهم من الكفر، ومن النار، ومن الجهل، ومن الضلال، ترون ثمرات الجهاد في المشرق والمغرب ماذا أنتج من الخير، ماذا أنتج من نشر العلم، ومن نشر التوحيد، ومن انتشار الإسلام وقمع الظلم.
وقوله: «ولا عدل عادل»، يعني: لا أحد يمنع الجهاد، حتى لو كان المنع من سلطان عادل، فالجهاد لا يسقط، لا نقول: حصل المقصود، فالعدل الآن منتشر والناس في خير. الجهاد ماض بحكم الله سبحانه، ولكن بهذه الشروط:
أولا: أن يكون بالمسلمين قوة على الجهاد.
ثانيا: أن يكون الجهاد تحت راية ولي الأمر الموحدة، ينظمهم ويساعدهم ويكون ردءا لهم يرجعون إليه.
ثالثا: أن يكون الجهاد لإعلاء كلمة الله، وليس من أجل طمع الدنيا أو الظهور في الأرض.
[ ١٢٦ ]