وأتولى أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم، وأذكر محاسنهم، وأترضى عنهم، وأستغفر لهم، وأكف عن مساويهم، وأسكت عما شجر بينهم، وأعتقد فضلهم، عملا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] .
قوله: «وأتولى أصحاب رسول الله»، يعني: أتولاهم بالمحبة والتوقير والاتباع والاقتداء، هذا معنى توليهم، بخلاف أهل الزيغ وأهل الضلال، وفي مقدمتهم الشيعة الذين يتنقصون أصحاب رسول الله ﷺ ويسبونهم ويكفرونهم، ويقولون: إنهم ظلموا أهل البيت وأخذوا الخلافة واغتصبوها، وهي لأهل البيت. كما يكذبون ويفترون على المسلمين، وخلافا للخوارج الذين كفروا الصحابة وقاتلوهم واستحلوا دماءهم.
قوله: «وأذكر محاسنهم»، هذا الواجب على المسلم أنه يذكر محاسنهم ويترضى عنهم، ويقول: ﵃، كل واحد منهم إذا جاء ذكره يقول: ﵁؛ لأن الله قال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]، فرضي الله عنهم وأرضاهم.
ويترضى عنهم ويثني عليهم ولا يتنقص أحدا منهم أو يتلمس أخطاءهم ويشهر أخطاءهم؛ كما يفعله أهل الزيغ وأهل الضلال، أو الجهال الذين يقولون: نحن نبحث في التاريخ، ونحن نريد التحقيق التاريخي. ويبحثون في الصحابة وما حصل بينهم وقت الفتنة، الفتنة هذا شيء جرى، وهم ما اختاروا الفتنة، ولكن جرى قضاء الله،
[ ١٠٦ ]
ووقعت عليهم الفتنة، وابتلوا بها، فهذا حصل من غير اختيارهم ﵃، وهم يريدون الخير، يريدون نصرة الدين ويجتهدون في هذا، فنحن لا ندخل في هذا أبدا، وإن دخلنا فنعتذر عنهم.
قوله: «وأستغفر لهم» عملا بالقرآن، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠]، لما ذكر المهاجرين والأنصار قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾، هذا موقف المسلم من صحابة رسول الله ﷺ.
قوله: «وأكف عن مساويهم»، فلا أبحث عن مساويهم وأنبش عن الأشياء التي قيلت، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «الواسطية»: «الآثار المروية في مساوئهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون؛ إما مجتهدون مصيبون فلهم أجران، وإما مجتهدون مخطؤون فلهم أجر»، وهم على كل حال مأجورون، ثم لهم من الفضائل ما يغطي ما يحصل من الخطأ الذي قد يحصل من أفرادهم، فالصحبة تغطي كل هذا.
وأما ما شجر بينهم وقت الفتنة، فهذا ليس باختيارهم ابتلوا به بسبب دعاة الضلال الذين اندسوا بينهم؛ كعبد الله بن سبأ والذين اتبعوه، فصاروا ينشرون الفتنة حتى صارت الحرب، أول الفتنة: تنقص ولي الأمر، حيث تنقصوا عثمان وطعنوا فيه، ثم آل الأمر إلى أن قتلوا عثمان ﵁، فلما قتلوه انفتح باب القتل والفتنة، فهذا أمر جرى
[ ١٠٧ ]
عليهم ﵃ وابتلوا به، فلا ندخل فيما شجر بينهم، ونخطئ عليا، أو نخطئ معاوية، ما ندخل بينهم في هذا أبدا، هذا كله صادر عن اجتهاد، كلهم يريد نصرة الحق.
قوله: «وأعتقد فضلهم»، نعتقد أنهم أفضل الأمة، فهذا الاعتقاد واجب، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، والغل: هو البغض والحقد، فلا يكن في صدرك أو في قلبك بغض أو غل أو حقد لأحد من صحابة رسول الله ﷺ.
[ ١٠٨ ]