* شفاعة عند الله.
* وشفاعة عند الخلق.
والشفاعة عند الخلق تنقسم إلى قسمين:
* شفاعة حسنة.
* وشفاعة سيئة.
قال تعالى ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]، فإذا كانت الشفاعة في تحصيل شيء مباح وشيء نافع فهي حسنة؛ كما لو شفعت بجاهك عند السلطان أو عند ولي الأمر في قضاء حاجة أخيك، فتشفع لإخوانك في
[ ٨١ ]
تحصيل مطالبهم المباحة ومصالحهم النافعة، فهذه شفاعة حسنة؛ لأنها من التعاون على البر والتقوى، «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»، وقد قال ﷺ: «اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء»، فقوله: «اشفعوا تؤجروا» فيه بيان أن الشفاعة الحسنة فيها أجر؛ لما فيها من النفع للمحتاجين.
وأما الشفاعة السيئة: فهي الشفاعة في أمر محرم، كأن تشفع في إسقاط حد من حدود الله لمن وجب عليه أن لا يقام عليه الحد، فهذه شفاعة محرمة، وملعون من قام بها، لقوله ﷺ: «إذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفع»، ولما «أراد أسامة بن زيد ﵁ أن يشفع في امرأة وجب عليها حد السرقة، وشق ذلك على قومها، فطلبوا من أسامة أن يشفع عند رسول الله ﷺ في عدم قطع يدها، فشفع أسامة وكلم الرسول ﷺ فغضب عليه غضبا شديدا، وقال: أتشفع في حد من حدود الله، إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد ﷺ سرقت لقطعت يدها»، وفي الحديث: «لعن الله من آوى محدثا»، آواه يعني: حماه من إقامة الحكم الشرعي عليه، فالشفاعة السيئة هي ما كانت في شيء محرم.
[ ٨٢ ]
أما الشفاعة عند الله - جل وعلا – فهي ثابتة في القرآن وفي السنة، وذلك بأن الله يكرم بعض عباده بأن يدعو لأخيه بما يخلصه من العقاب يوم القيامة، تكريما للشافع ورحمة بالمشفوع، فهذه هي الشفاعة عند الله، وهي: أن يأذن الله - جل وعلا – لبعض أوليائه في أن يدعو الله بأن يتجاوز عمن استوجب العقوبة ويعفو عنه، وهذه ثابتة في القرآن، ولكن بشرطين:
الشرط الأول: أن تطلب الشفاعة من الله - جل وعلا – ويأذن الله بها، فلا أحد يشفع عند الله إلا بإذنه، بخلاف المخلوقين، فقد يشفع الشفعاء عندهم ولو لم يأذنوا، بل ربما يكرهون ذلك، أما الله - جل وعلا – فإنه لا يشفع عند أحد إلا بإذنه، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ .
الشرط الثاني: أن يكون المشفوع فيه من أهل الإيمان، ولكن عنده ما يوجب عليه العذاب لكبيرة من كبائر الذنوب ارتكبها، فهو من أهل الإيمان من أصحاب الجرائم التي دون الشرك، وأما المشرك فإن الله لا يرضى أن يشفع فيه، ولا تقبل فيه شفاعة، قال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ﴾ يعني: الملائكة ﴿إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ارتضى الله قوله وعمله وهو المؤمن، أما الكافر فإن الله لا يرتضيه، فلا تنفعه الشفاعة، قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] .
فإذا توفر الشرطان: إذن الله للشافع أن يشفع، ورضاه عن المشفوع فيه، فالشفاعة حق، وإذا اختل شرط فهي شفاعة مردودة، قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، هذا الشرط الأول، ﴿وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]، هذا الشرط
[ ٨٣ ]
الثاني، فهذه هي الشفاعة عند الله، تجوز بشرطين، فإذا توفر الشرطان فالشفاعة صحيحة ومقبولة عند الله جل وعلا، وإذا اختل شرط فهي مردودة ولا تقبل.
والناس انقسموا في أمر الشفاعة إلى ثلاثة أقسام: طرفان ووسط:
الطرف الأول: الذي نفوا الشفاعة وهم الخوارج والمعتزلة، وقالوا: إن من استوجب النار لا بد أن يدخلها، بناء – عندهم – على أنه لا يستوجب النار إلا كافر؛ لأنهم يكفرون أصحاب الكبائر من هذه الأمة، فيقولون: لا تنفعهم الشفاعة، فمن استوجب النار لا بد أن يدخلها، ومن دخلها فإنه لا يخرج منها. هذا مذهبهم، فينفون الشفاعة التي ثبتت وتواترت بها الأدلة.
الطرف الثاني: الذين غلوا في إثبات الشفاعة، وهم القبوريون والخرافيون الذين يتعلقون بالأموات، ويطلبون منهم الشفاعة، ويدعونهم، ويذبحون لهم، وينذرون لهم، وإذا قيل لهم: هذا شرك، قالوا: هذا طلب للشفاعة؛ كما قال المشركون الأولون: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، فهم غلوا في إثبات الشفاعة حتى طلبوها من غير الله، طلبوها من الموتى والمقبورين، وطلبوها أيضا لمن لا يستحقها وهم أهل الشرك والكفر بالله ﷿.
الوسط: أهل السنة والجماعة توسطوا، كما هي عادتهم: الوسطية في كل الأمور – ولله الحمد – فلم ينفوا الشفاعة مطلقا كما نفتها الخوارج والمعتزلة، ولم يثبتوها مطلقا كما غلا في إثباتها القبوريون والخرافيون.
هذا مذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسألة؛ فمما يجري
[ ٨٤ ]
في يوم القيامة: الشفاعة؛ ولهذا ساقها المصنف ﵀ في جملة ما يكون في اليوم الآخر، أنه يؤمن بكل ما يكون في اليوم الآخر، ومنه الشفاعة.
والشفاعة ستة أنواع:
منها ما هو خاص بالنبي ﷺ، ومنها ما هو مشترك بينه وبين غيره من الملائكة، والأولياء والصالحين، والأطفال الأفراط الذين يشفعون.
فأما الخاص بالنبي ﷺ فهو:
الشفاعة الأولى: الشفاعة العظمى، وهي المقام المحمود، وذلك حينما يتقدم الناس في الموقف، موقف الحشر، ويطلبون من الأنبياء أن يشفعوا لهم عند الله في أن يريحهم من الموقف؛ لأنه طال عليهم الوقوف، مع ما هم فيه من الحر والضيق وطول الوقوف، حيث يقفون خمسين ألف سنة، فيتقدمون ويطلبون من آدم ﵇ أبي البشرية أن يشفع لهم عند الله في أن يفصل بينهم ويريحهم من الموقف، فيعتذر آدم ﵇، ثم يطلبونها من نوح ﵇ أول الرسل، فيعتذر، فيطلبونها من إبراهيم ﵇ فيعتذر، ويطلبونها من موسى ﵇ فيعتذر، ويطلبونها من عيسى ﵇ فيعتذر، ثم يطلبونها من محمد ﷺ فيستعد لها، ويقول: «أنا لها، أنا لها»، بعد ما يطلبونها من أولي العزم كلهم ويعتذرون إلا نبينا محمدا ﷺ فإنه يقبل أن يشفع لهم عند الله، فيخر ساجدا تحت العرش، فيدعو ربه ﷿ ويحمده، ولا يزال كذلك حتى يقال له: «يا محمد، ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع» . فيشفع عند الله في أهل المحشر، في أن يفصل الله بينهم بحكمه، ويريحهم من الموقف،
[ ٨٥ ]
ويقبل الله شفاعته، فهذا هو المقام المحمود، الذي قال الله - جل وعلا – فيه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، وهو الذي يحمده عليه الأولون والآخرون، إظهارا لفضله وشرفه ﷺ في هذا الموقف العظيم.
الشفاعة الثانية: شفاعته ﷺ في أهل الجنة أن يدخلوها، وتفتح لهم، فهو أول من يستفتح باب الجنة ﵊؛ ولهذا قال - جل وعلا -: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]، لا تفتح لهم أول ما يأتون، بل عطف الفتح على مجيئهم؛ لأنه لا يفتح لهم إلا بعد الشفاعة، ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ أما الكفار – والعياذ بالله – فمن حين يصلون إلى النار تفتح لهم أبوابها، يدفعون إليها ويدعون إليها دعا – والعياذ بالله - ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧١]، إلى آخر الآيات، هذه الشفاعة الثانية للرسول ﷺ والخاصة به.
الشفاعة الثالثة: أنه يشفع ﷺ لأناس من أهل الجنة في رفعة منازلهم في الجنة.
الشفاعة الرابعة: شفاعته في عمه أبي طالب، الشفاعة لا تنفع الكفار، ولكن نظرا لأن أبا طالب حمى النبي ﷺ ودافع عنه، وصبر معه على الضيق، وأحسن إلى الرسول ﷺ، ولكنه لم يوفق للدخول في الإسلام، وعرض عليه النبي ﷺ الإسلام وحرص على أن يدخل في الإسلام، ولكنه أبى؛ لأنه يرى أنه دخوله في الإسلام فيه مسبة لدين آبائه، حيث أخذته الحمية الجاهلية لدين آبائه، وإلا فهو يعترف أن محمدا على الحق، وأن دينه هو الحق، ولكن منعته الحمية والأنفة؛ لأنه لو أسلم بزعمه لصار ذلك سبة على قومه.
[ ٨٦ ]
وهو القائل:
ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذار مسبة لرأيتني سمحا بذاك مبينا
فقد منعته الملامة وحذر المسبة على قومه، ولقد جاءه الرسول ﷺ وهو في سياق الموت، «وقال له: يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله، وكان عنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد عليه النبي ﷺ، فأعادا عليه، وقالا: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فقال: هو على ملة عبد المطلب. ومات على ذلك، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال النبي ﷺ: لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]»، ونزل في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦] .
فالنبي ﷺ لا يشفع في إخراجه من النار؛ لأنه مخلد في النار، ولكن يشفع في أن يخفف عنه العذاب فقط، ويجعل في ضحضاح من نار، وفي أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه، فلا يرى أن أحدا أشد منه عذابا، مع أنه أخف أهل النار عذابا.
فهذه الشفاعات خاصة بالنبي ﷺ.
الشفاعة الخامسة: مشتركة بين الرسول ﷺ وغيره من الملائكة
[ ٨٧ ]
والنبيين والأولياء والصالحين وأفراط المؤمنين، وهي الشفاعة في أهل الكبائر التي دون الشرك، يشفعون لهم ألا يدخلوا النار، وإن دخلوها يشفعون لهم أن يخرجوا منها، وهذه هي التي أنكرها الخوارج والمعتزلة، وقالوا: إن من استحق دخول النار فإنه لا بد أن يدخلها، ومن دخلها فإنه لا يخرج منها.
فقوله: «أؤمن» يعني: أصدق وأعتقد «بشفاعة النبي ﷺ» الخاصة به، وكذلك يؤمن بالشفاعة المشتركة؛ لأن هذا مذهب أهل السنة والجماعة.
«وأنه أول شافع» كما في الحديث، حديث الموقف، «وأول مشفع» فهناك شفعاء ولكن هو أول الشفعاء ﵊، وهو أول من يستجاب له من الشفعاء، وفي هذا رد على الذين يقولون: إن الشيخ ينكر الشفاعة.
[ ٨٨ ]