وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته، وحرم الخروج عليه.
من أصول العقيدة: السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين، عملا بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، بعد أن أمر بطاعته وطاعة رسوله أمر بطاعة ولاة الأمور من المسلمين، وقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ يعني: من المسلمين، أما إذا لم يكن مسلما فلا طاعة له، فيشترط فيه أن يكون مسلما، وعندئذ تكون طاعته واجبة، والخروج عليه معصية محرمة، هذا أصل من أصول الإسلام وبه تجتمع كلمة المسلمين وتقوى شوكتهم.
والنبي ﷺ لما طلب منه أصحابه الوصية، حيث شعروا بقرب أجله فطلبوا منه الوصية، قال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد»؛ لأن النظر ليس لشخصه، وإنما النظر لمنصبه، العبرة بمنصبه لا بشخصه: «وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا»، فطاعة ولي الأمر عصمة من الاختلاف؛ ولهذا لما «سأل حذيفة بن اليمان رسول الله ﷺ عن الفتن عند ظهورها قال له: ما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: أن تلزم جماعة المسلمين وإمامهم»، فأمر حذيفة عند ظهور الفتن أن يلزم جماعة المسلمين
[ ١٢٧ ]
وإمامهم؛ لأنه عصمة من الفتن وعصمة من الاختلاف، ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥]، فالاختلاف شر والاتفاق رحمة.
فقوله: «برهم وفاجرهم»؛ كما مر معنا لا يشترط في ولي أمر المسلمين أن يكون صالحا مائة بالمائة – كالخلفاء الراشدين – بل تجب طاعته ولو كان عنده شيء من المخالفات والمعاصي التي لا تصل إلى حد الكفر والخروج من الدين، ففساده عليه، ولكن إمامته لصالح المسلمين.
ولما سئل بعض الأئمة قيل له: فلان تقي لكنه ضعيف، وفلان فاسق ولكنه قوي؛ أيهما يصلح للإمامة؟ قال: الفاسق القوي؛ لأن الصالح الضعيف صلاحه لنفسه، وضعفه يضر المسلمين، والفاسق فسقه على نفسه، وقوته للمسلمين.
وقوله: «برهم وفاجرهم»، هذا خلاف الخوارج والمعتزلة الذين يخرجون على الأئمة الفجار، يعني: الأئمة العصاة، يراد بالفجار هنا: العصاة.
وقوله: «ما لم يأمروا بمعصية الله»، فتجب طاعتهم، فإذا أمروا بمعصية، «فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، لكن لا تنخلع بيعتهم إذا أمروا بمعصية، ولا نطيعهم في هذا، لكن تبقى طاعتهم فيما
[ ١٢٨ ]
هو معروف وليس فيه معصية، نخالفهم في المعصية ونطيعهم في غير المعصية.
وقوله: «ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته»، هذا فيما تنعقد به الإمامة.
قالوا: تنعقد الخلافة بأحد ثلاثة أمور:
الأمر الأول: اختيار أهل الحل والعقد له، فإذا اختاره أهل الحل والعقد وبايعوه لزمت طاعته؛ كخلافة أبي بكر الصديق ﵁ فإنها ثبتت باختيار أهل الحل والعقد، وليس بلازم أن يختاره كل المسلمين كما في الانتخابات، هذا ليس في نظام الإسلام، بل يكفي أهل الحل والعقد من العلماء والأمراء وأهل الرأي والمشورة، فإذا اختاروا إماما للمسلمين لزمت طاعته على جميع المسلمين، ولا أحد يقول: أنا ما اخترت، أنا ما بايعت؛ كما يقول بعض الجهال الآن.
أنت من المسلمين، والمسلمون اختاروا هذا الرجل إماما لهم، فلا يجوز لك أن تشذ وتخرج عنهم، بل قال النبي ﷺ: «المسلمون يد على من سواهم، يسعى بذمتهم أدناهم»، وإذا كان أدناهم يسعى بذمتهم، فكيف بأهل الحل والعقد والمشورة والرأي؟ فالصحابة أطاعوا لأبي بكر مع أن الذين بايعوه هم قادة المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة، وكذلك عثمان ﵁ اختاره أهل الشورى الستة الذين عهد إليهم عمر ﵁، فقد عهد إلى بقية العشرة الذين توفي رسول الله ﷺ
[ ١٢٩ ]
وهو عنهم راض، فالستة اجتمع رأيهم على عثمان فبايعوه، فلزمت طاعته جميع المسلمين وانقادوا له.
الأمر الثاني: ولاية العهد، فإذا عهد ولي الأمر إلى أحد من بعده تلزم طاعته، وتنعقد إمامته؛ كما عهد أبو بكر لعمر ﵄ فسمعوا له وأطاعوا ﵄.
الأمر الثالث: إذا كان الناس ليس لهم إمام؛ فقام رجل فيه شجاعة وقوة ورأي وتغلب على الناس بسيفه حتى خضعوا له، فهذا تلزم طاعته، ويمثلون لهذا بعبد الملك بن مروان، فالناس في عهده كانوا بدون إمام عام، فقام الرجل بشجاعة وشهامة وقوة ورأي فقاتل وتغلب وأطاع له المسلمون، فصار إماما لهم وانعقدت إمامته بذلك.
أما من يأتي والمسلمون لهم إمام وينازع الإمام ويريد أن يخلع الإمام ليصبح بدلا عنه، فهذا يجب على المسلمين قتله، قال ﷺ: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوا كائنا من كان»، فنحن مع ولي الأمر، إذا قام عليه أحد فنحن معه في دفع هذا الخارج على جماعة المسلمين، نقاتله وندحض شره عن المسلمين؛ لئلا يفكك الكلمة، وذلك للمصلحة العامة.
هذا هو اعتقاد الشيخ في السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين، وفي هذا رد على الذين يصفونه بالخروج على الولاة.
[ ١٣٠ ]