النوع الرابع من أنواع الشرك: شرك الاستغاثة بغير الله ﷾.
والاستغاثة: هي طلب الغوث وإزالة الشدة، وهي قسمان: استغاثة بالله ﷾، وهذا توحيد.
واستغاثة بغير الله ﷿، وهي قسمان: الأول: طلب الغوث من المخلوق فيما يقدر عليه، فهذا لا بأس به، كأن جاءك عدو يريد الفتك بك وكان عندك شخص آخر فاستغثت به من أجل أن يحميك من هذا العدو وهو قادر على ذلك وليس ميتًا أو غائبًا، فهذا جائز ولا شيء فيه.
والثاني: الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله ﷾، سواءٌ أكان المخلوق قادرًا على جنسها ولكنه ميت أو غائب، أو كان المخلوق غير قادر على جنسها.
فمثال الاستغاثة بغير الله فيما يقدر عليه المخلوق في العادة، ولكنه غائب أو ميت: أن تكون في بحر فتفرق، والأمواج من فوقك، فتستغيث -مثلًا- بنبي أو بولي، أو تستغيث بغائب ليس عندك، فهذا شرك بالله ﷿.
ومثال الذي لا يقدر عليه إلا الله ﷿ مما لا يقع جنسه تحت مقدور الناس: مغفرة الذنوب، كأن تستغيث بغير الله في مغفرة ذنوبك أو إدخالك الجنة أو شفائك من المرض مثلًا أو رزقك، أو نحو ذلك، فكل ذلك من الشرك المخرج عن دائرة الإسلام.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره.
وقول الله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [يونس:١٠٦ - ١٠٧]].
الاستغاثة جزء من العبادة وجزء من الدعاء، والدعاء هو الطلب، والطلب ينقسم إلى قسمين: طلب في حالة الشدة والكرب، وهذا يسمى استغاثة.
وطلب في غير حال الشدة والكرب، فهذا دعاء، والاستغاثة نوع من أنواع الدعاء.
ويقسم العلماء الدعاء إلى قسمين: دعاء المسألة، ودعاء العبادة.
فأما دعاء العبادة فهو كل العبادات الشرعية، فكل العبادات الشرعية تسمى دعاء، فالجهاد دعاء، والصلاة دعاء، والحج دعاء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعاء، والدعوة إلى الله دعاء، والصدقة دعاء؛ لأن فعل العبد لها يتضمن طلب الأجر من الله ﷾، والدعاء هو الطلب.
والنوع الثاني من أنواع الدعاء: دعاء المسألة، وهذا هو المشهور عند الناس، وهو الذي يكون باللسان، فالفرق بين دعاء العبادة ودعاء المسألة أن دعاء العبادة قد يكون بالقلب، مثل التوكل على الله، ومحبة الله ﷾، وقد يكون بالجوارح، مثل: الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد يكون باللسان.
وأما دعاء المسألة فلا يكون إلا باللسان، كأن تقول: اللهم اغفر لي وارحمني وتب علي، ونحو ذلك من الدعاء الذي يكون باللسان، فدعا المسألة إذا صرف لله ﷿ فإنه توحيد خالص، وأما إذا صرف لغير الله فهو شرك أكبر، كما لو قال: يا ولي الله! اعمل لي كذا وكذا.
فكل دعاء المسألة من الشرك، إلا إذا جاء به على صيغة الطلب مما يقدر عليه الإنسان، كأن يقول: يا أخي الكريم! ناولني كذا.
فهذا طلب وليس دعاءً بالمعنى الاصطلاحي، وإنما هو دعاء بالمعنى اللغوي، وأما دعاء العبادة فإنه إذا صرف لغير الله يكون شركًا، فمن صلى لغير الله، ومن جاهد لغير الله، ومن ذبح لغير الله، ومن نذر لغير الله فقد أشرك شركًا أكبر.
وقوله: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [يونس:١٠٦ - ١٠٧] وجه الدلالة من هذه الآية على كون الاستغاثة بغير الله من الشرك هو اعتبار من دعا من دون الله من الظالمين، حيث قال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ﴾ [يونس:١٠٦] يعني: إن دعوت غير الله ﴿فَإِنَّكَ إِذًا مِنْ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:١٠٦]، والظلم المراد به في هذه الآية: الشرك، كما قال الله ﷾: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، والذي يدل على أن المقصود بهذا النوع من أنواع الدعاء والطلب هو ما لا يقدر عليه إلا الله قوله بعد ذلك: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [يونس:١٠٧]، وهذا يدل على أن هذا من خصائص الله ﷾، وليس هو الطلب العادي الذي يكون بين الناس في الأمور الدنيوية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ [العنكبوت:١٧]].
الابتغاء: هو السؤال بتضرع وخضوع، وهذا هو حقيقة الدعاء بالمعنى الشرعي، والرزق لا يقدر عليه إلا الله ﷾، فهذا يدل على عدة أمور: الأمر الأول: أن الدعاء والسؤال من العبادة، والدليل على ذلك الأمر بقوله تعالى: ﴿
[ ٤ / ٧ ]