ومفهوم العبادة واضح عند أهل السنة، لكن هناك طوائف -مثل القبوريين- يخالفون في مفهوم العبادة، فيجعلون العبادة إفراد الله بالخلق، مع أن الألوهية مشتقة من الإله، والإله بإجماع النحاة وإجماع المفسرين معناه (المعبود)، و(إله) فعال بمعنى (مفعول)، أي: مألوه، ومعنى (مألوه) معبود بالمحبة والتوكل والرضا والخوف والإنابة والرغبة والرهبة، وما إلى ذلك من أنواع العبادات، ولهذا يقول الله ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤] قال قتادة -كما روى ابن جرير الطبري -: معبود في السماء ومعبود في الأرض.
هذا هو ما يتعلق بمفهوم توحيد الألوهية، وقد يعبر عن توحيد الألوهية بتوحيد العبادة، وهو تعبير آخر، فتوحيد الإلهية: نظر فيه إلى جانب الإله، وتوحيد العبادة ينظر فيه إلى جانب العبد، فتوحيد الألوهية يعني: توحيد التأله لله ﷾، وتوحيد العبادة يعني: توحيد فعل العبد -الذي هو عبادته- لله ﷾، وسيأتي معنا عند قراءتنا للنصوص كيف يكون الربط بين مفهوم (لا إله إلا الله) وبين النصوص التي تدل على العبادة.
وبعض العلماء يقسم توحيد الألوهية إلى قسمين: توحيد التنسك أو النسك، وتوحيد الطاعة والتشريع، والحقيقة هي أن القسمين عبادة لله ﷾، فالنسك والتنسك مثل: الذبح، والخضوع، والذل، والمحبة، والخوف ونحو ذلك من أفعال العبد، فهي تنسك وهي تعبد في ذات الوقت.
والطاعة والتشريع أيضًا من العبادة، ولهذا يقول الله ﷿: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠] فسمى الحكم عبادة.
و(لا إله إلا الله) هي كلمة مركبة من جملتين: الجملة الأولى: هي جملة النفي (لا إله)، والجملة الثانية: هي جملة الإثبات (إلا الله)، فأما الجملة الأولى التي هي جملة النفي (لا إله) فمعناها: لا معبود ولا مربوب ولا مشرع ولا محبوب محبة تأله بحق إلا الله ﷾، فيجب أن يعبد وحده دون شريك، فهي تتضمن أمرين: الأمر الأول: إيجابي، وهو التعبد لله ﷿، بمعنى: صرف العبادة له، وهذا مأخوذ من الإثبات.
والأمر الثاني: سلبي، وهو البراءة من كل معبود غير الله ﷿، وقد يسمى الطاغوت، وقد يسمى الشرك، وقد يسمى الكفر، وقد يسمى النفاق، وكل معبود ومألوه تصرف له العبادة غير الله ﷿ يجب بغضه وكرهه والبراءة منه، كما سيأتي معنا تفصيلًا، وهذا هو مفهوم الألوهية.
[ ٨ ]