* قال الشيخ ﵀:
فإذا أردت الدليل على أن هؤلاء المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يشهدون بهذا، فاقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُم مِنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُون (٣١)﴾ الآية [يونس]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُون (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُون (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُون (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُون (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُون (٨٩)﴾ [المؤمنون]، وغير ذلك من الآيات.
فإذا تحققت أنهم مقرون بهذا، وأنه لم يدخلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ، وعرفت: أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة الذي يسميه المشركون في زماننا: «الاعتقاد»، كما كانوا يدعون الله ﷾ ليلًا ونهارًا، ثم منهم من يدعو الملائكة؛ لأجل صلاحهم وقربهم من الله ﷿؛ ليشفعوا له، أو يدعو رجلًا صالحًا، مثل اللات، أو نبيًا مثل: عيسى.
وعرفت أن رسول الله ﷺ قاتلهم على هذا الشرك ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له؛ كما قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن]، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٤].
[ ١٥ ]
وتحققت أن رسول الله ﷺ قاتلهم؛ ليكون الدعاء كله لله، والنذر كله لله، والذبح كله لله، والاستغاثة كلها بالله، وجميع أنواع العبادات كلها لله.
وعرفت: أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة، أو الأنبياء، أو الأولياء؛ يريدون شفاعتهم والتقرب إلى الله بذلك هو الذي أحل دماءهم وأموالهم.
عرفت حينئذ التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون.
يقول الشيخ ﵀: «فإذا أردت الدليل على أن هؤلاء المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ …» إلخ، لأنهم يتخذون بينهم وبين الله وسائط يعبدونهم من دون الله؛ زاعمين أنهم يقربونهم إلى الله، وأنهم يشفعون لهم.
وهؤلاء المشركون كانوا يقرون بأنه ﷾ رب كل شيء، وأنه لا خالق غيره ولا رازق غيره، ولا يحيي ولا يميت إلا هو، وهذا هو تحقيق توحيد الربوبية، فكان عندهم توحيد، وعندهم شرك، وكان توحيدهم في الربوبية، وشركهم في العبادة؛ لأنهم اتخذوا مع الله آلهة أخرى يعبدونها، لكنهم لم يتخذوا شيئًا من المخلوقات ربًّا خالقًا مدبرًا، وربما كان عند بعضهم شيء من الشرك بالربوبية. أما اعتقاد خالق مدبر، فهذا لله وحده.
[ ١٦ ]
وقد بين الله ﷿ هذا في القرآن، بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُون (٨٧)﴾ [الزخرف]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُون (٦١)﴾ [العنكبوت]، ومن ذلك: الآيات التي ذكرها الشيخ في سورة يونس: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُم مِنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿أَفَلَا تَتَّقُون (٣١)﴾ [يونس]؛ أي: أفلا تخافون الله، فتتركون عبادة من سواه، وتخصونه بالعبادة؛ لأن الذي هذا شأنه هو المستحق لأن يُعبد. أما المعبودات الأخرى فهي لا تملك من هذا شيئًا ولا تستطيعه.
ومن ذلك الآيات التي في سورة المؤمنون: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا﴾ إلى قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُون (٨٩)﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩]، فأخبر أنهم يقرون بذلك كله لله، الأرض والسماوات والملك كله، فوبخهم سبحانه على الإشراك به وعبادة غيره معه وهو رب هذه العوالم، فقال سبحانه: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُون (٨٥)﴾، ﴿أَفَلَا تَتَّقُون (٨٧)﴾، ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُون (٨٩)﴾.
فاحتج الله تعالى عليهم بما أقروا به من ربوبيته على ما أنكروه من إخلاص الدين له، وإخلاص العبادة، فإن توحيد الربوبية يستلزم توحيد العبادة عقلًا، سبحان الله! خالق هذا الوجود، ومدبره، وخالق السماوات والأرض ومن فيهن، وخالق الناس ومالكهم؛ أما يستحق العبادة، والخوف والرجاء، والتوكل والتفرد؟!
والآيات المبينة والمظهرة لهذا التوحيد كثيرة، أفلا تذكرون، وتتقون؟! أفمن يخلق كمن لا يخلق؟! ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لَا
[ ١٧ ]