﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُون (٤٥)﴾ [الزمر]، وهو نفس واقع المشركين من الرافضة والصوفية؛ حيث إنهم إذا ذكر الله وحده أعرضوا، وإذا ذكر من يعظمونه كعلي ﵁ والحسين، وذكر السيد البدوي عندهم؛ هشوا وبشوا وتكلموا بكلمات التعظيم والإجلال، كما كان المشركون الأولون يعتزون بآلهتهم، ويستنصرون بها ويفتخرون بها، حتى قال أبو سفيان: اعل هبل، فأمر النبي ﷺ أصحابه أن يقولوا لأبي سفيان: «الله أعلى وأجل»، فقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال النبي ﷺ لأصحابه: «قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم» (^١).
وهؤلاء المشركين على شاكلة من قبلهم من مشركي قوم نوح، ومشركي العرب، والشرك في العادة يتنوع تنوعًا لا حد له باعتبار المعبودات الكثيرة، فالمجوس يعبدون النار، وهناك من يعبد الحيوانات، ومنهم من يعبد أشياء عجيبة، وكله شرك؛ إذ كيف يتوجه الإنسان الذي أعطاه الله عقلًا إلى نار لا تسمع، ولا تبصر، ولا تعقل، أو يتوجه إلى حيوان، أو حجر، أو شجرة؛ ولهذا يقول أهل النار في الآخرة معترفين بسفاهتهم: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِير (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِير (١١)﴾ [الملك].
وقال في الشبهة التاسعة: «فإن قال: إنهم لا يكفرون بدعاء الملائكة والأنبياء، وإنما يكفرون لما قالوا: الملائكة بنات الله، فإنا لم نقل: إن
_________________
(١) رواه البخاري (٣٠٣٩) من حديث البراء بن عازب ﵄.
[ ٧٣ ]
عبد القادر ولا غيره ابن الله …» إلى آخره، فهذه أيضًا شبهة من شبه المشركين القبوريين.
والجواب عنها أن يقال: نسبة الولد إلى الله هو كفر مستقل، فإن الله تعالى نزه نفسه عن الولد وكذَّب من زعم ذلك فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١) اللَّهُ الصَّمَد (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾، وفسر الأحد: أنه الذي لا نظير له، والصمد هو المقصود في الحوائج، فمن جحد ذلك جحد معنى السورة، ومن نسب الولد إلى الله كفر، ولو لم يجحد السورة.
ومن الأدلة على أن الشرك ونسبة الولد كل منهما كفر على حدة؛ قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون: ٩١]، وقال سبحانه:
﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧١]، ويؤكد ذلك أن العلماء في جميع المذاهب ذكروا في باب «حكم المرتد» أن المسلم إذا زعم أن لله ولدًا فقد كفر وصار مرتدًا، وإن أشرك بالله صار مرتدًّا، فجعلوا كلًّا من الأمرين موجب للردة.
ومما يبطل هذه الشبهة أن الذين كانوا يدعون «اللات» الذي كان يلت السويق للحاج في الطائف كفروا بشركهم مع أنهم لم يجعلوه ابنًا لله، وكذلك الذين عبدوا الجن لم يزعموا أنهم أبناء الله، فكانوا بهذا مشركين؛ قال ﷾: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُون (١٠٠)﴾ [الأنعام]، فمشركو العرب جمعوا بين هذين الشركين، والنصارى كذلك قالوا: المسيح ابن الله، فجعلوه
[ ٧٤ ]