الشبهة الثالثة: إن قال المشرك الذي يغلو في الصالحين ويتعلق بهم ويدعوهم من دون الله: الكفار كانوا يطلبون من أولئك الصالحين قضاء الحوائج؛ كشفاء المرضى والنصر على الأعداء؛ وأنا أعلم أن الله تعالى هو النافع الضار، وأن الصالحين ليس لهم من الأمر شيء، وأنا لا أريد إلا الله، ولكني أتوجه إليهم أطلب من الله بشفاعتهم.
فإذا قال هذا فقل له: هذا وقول الكفار سواء بسواء، فالكفار الأولون يؤمنون بأن الصالحين لا ينفعون ولا يضرون، وإنما يتعلقون بهم ليشفعوا لهم عند الله، واقرأ عليه هذه الآيات: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء
[ ٥٢ ]
شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّهِ﴾ [يونس: ١٨]، فهاتان الآيتان تدلان على أن المشركين يؤمنون بأن الله هو الخالق الرازق المدبر المحيي المميت، وقد تقدمت الأدلة على إيمانهم بربوبية الله، ولكنهم يتخذون الصالحين وسائط يطلبون شفاعتهم عند الله بناء على ما يزعمونه من أنهم يشفعون لهم، والمشركون لا يريدون شفاعة من يعبدونهم من الأنبياء والصالحين يوم القيامة؛ لأن المشركين الأولين لا يقرون بالبعث؛ إنما يريدون شفاعتهم في الدنيا؛ فيعبدونهم ويتقربون إليهم، ويريدون شفاعتهم لقضاء حوائجهم في الدنيا: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّهِ﴾ [يونس: ١٨]، ويقول تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُون (٤٤)﴾ [الزمر].
فهذه هي الشبهات الثلاث، وهي كما قال الشيخ ﵀: «واعلم: أن هذه الشبه الثلاث هي أكبر ما عندهم، فإذا عرفت أن الله وضحها لنا في كتابه، وفهمتها فهمًا جيدًا، فما بعدها أيسر منها»، والشبهة الثالثة تشبه الشبهة الأولى، إلا أن ألفاظها وعباراتها تختلف، ولعل الشيخ كررها باعتبار أنهم تارة يعبرون بهذا، وتارة يعبرون بهذا، وهذه الشبه الثلاث والتي بعدها في بعضها تداخل وتقارب.
* * * * * * *
[ ٥٣ ]
* قال الشيخ ﵀:
فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله، وهذا الالتجاء إلى الصالحين ودعاؤهم ليس بعبادة، فقل له: أنت تقر أن الله فرض عليك إخلاص العبادة لله، وهو حقه عليك؟ فإذا قال: نعم، فقل له: بين لي هذا الذي فرضه الله عليك، وهو إخلاص العبادة لله وهو حقه عليك
فإن كان لا يعرف العبادة ولا أنواعها، فبينها له بقولك: قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، فإذا أعلمته بهذا فقل له: هل علمت هذا عبادة لله تعالى؟ فلا بد أن يقول: نعم، والدعاء مخ العبادة.
فقل له: إذا أقررت أنه عبادة، ودعوت الله ليلًا ونهارًا، خوفًا وطمعًا، ثم دعوت في تلك الحاجة نبيًا أو غيره؛ هل أشركت في عبادة الله غيره؟ فلا بد أنه يقول: نعم، فقل له: قال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر (٢)﴾ [الكوثر]، فإذا أطعت الله ونحرت له؛ هل هذه عبادة؟ فلا بد أن يقول: نعم.
فقل له: إذا نحرت لمخلوق - نبي أو جني أو غيرهما - هل أشركت في هذه العبادة غير الله؟ فلا بد أن يقر ويقول: نعم.
وقل له - أيضًا -: المشركون الذين نزل فيهم القرآن هل كانوا يعبدون الملائكة والصالحين واللات وغير ذلك؟ فلا بد أن يقول: نعم.
[ ٥٤ ]