وإن مما يجب على من يؤمن بالله، ويؤمن بوجوب تحريم الشرك؛ أن يعرف حقيقة ما نهى الله عنه، إذًا كيف يجتنب الإنسان ما لا يعرف حقيقته، فلا بد إذًا أن تعرف الذي نهاك الله عنه، وتوعَّد فاعله بعدم الغفران.
وقال ﵀ في الشبهة الثامنة: «فإن قال: الشرك: عبادة الأصنام، ونحن لا نعبد الأصنام …»، ففي هذه الشبهة يريد أن يدفع عن نفسه رميه بالشرك، فيقول: أنا لست مثل المشركين الأولين؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام والشرك هو عبادة الأصنام، ونحن لا نعبد الأصنام، فالنتيجة أننا لسنا مشركين.
فإذا قال ذلك، فقل له: فما معنى عبادة الأصنام؟ إذ قد يظن أن عبادة الأصنام التي من أخشاب وأحجار وغيرها هو الاعتقاد بها أنها تنفع وتضر، وتخلق وترزق، فإذا فصل العبادة بهذا المعنى كان مبطلًا، وهذا التفسير باطل فليس عبادة المشركين للأصنام بهذا الاعتقاد؛ لأن هذا المعنى يكذبه القرآن كما في الآيات الدالة على أن المشركين لم يكونوا يعتقدون أن تلك الأصنام تخلق وترزق، وتدبر أمر العالم، ومنشأ هذا التفسير الباطل هو الجهل بحقيقة الشرك، مما يوجب على الإنسان أن يعرف ويتعلم ما هو الشرك، كما يتوجب عليه معرفة حقيقة غيره من المحرمات، فالربا مثلًا يعرف كل مسلم أنه حرام؛ لكن ما هو الربا؟ هذا هو الإشكال، وكثير من الناس مع معرفتهم وإيمانهم بتحريم الربا، فإنه لا يعرف ما هو الربا بسبب الإعراض، وعدم الاهتمام بمعرفة شرع الله؛ لذا يجب على العبد الذي آمن بالله وبرسوله وكتابه أن يعرف ما
[ ٦٩ ]
أوجب الله عليه، وما حرم عليه، فإذا علم العبد أن الله حرم كذا، فعليه أن يعرفه ليحذره، كما يجب عليه أن يعلم الواجب ليفعله.
وإن قال إن الشرك هو القصد إلى تلك التماثيل والأحجار والأبنية التي على القبور بالذبح لها ودعائها، والظن بأن الله ينفع ويضر ببركتها؛ فهذا هو الشرك. فإن قال ذلك فقل له: فهذا فعلكم تمامًا، وقد لزمكم أن ما تفعلونه مثل شرك المشركين الأولين في عبادة الأصنام وهو المطلوب.
والضمير في قول المؤلف: «فهذا أقر أن فعلهم …» يحتمل أن يراد به فعل المشركين الأولين عباد الأصنام؛ أي: أن هذا هو عبادة الأصنام، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: «أن فعلهم …» أي: فعل أولئك القبوريين، وقصدهم إلى تلك الأبنية التي على القبور، والذبح لها أو دعائها منهم مثل عبادة الأصنام.
فهذا المشرك بعد هذا الحوار قد أقر بأن التعلق على الصالحين شرك، وهو الذي نهى الله تعالى عنه في القرآن، وهذا الإقرار نتيجة لما تقدم؛ يعني: بعد إفهامه والرد على هذه الشبهة، لا بد أن يقر أن التعلق بالصالحين ودعاءهم، والعكوف عند قبورهم؛ هو الشرك الذي بينه الله ونهى عنه في القرآن.
وجواب آخر، هو أن يقال له: قولك «الشرك عبادة الأصنام» إن كان مرادك أن الشرك مخصوص بعبادة الأصنام، وأن الاعتماد على الصالحين ودعاءهم والاستغاثة بهم والتعلق بالملائكة؛ ليس بشرك، فهذا باطل
[ ٧٠ ]
أيضًا يكذبه القرآن، فالله قد أخبر عن المشركين أنهم كانوا يتعلقون بالملائكة والأنبياء والصالحين، كما أخبر عن النصارى أنهم عبدوا المسيح، وقالوا: إنه ابن الله، وألهوه هو وأمه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]، وقد كفرهم ﷾ بقوله: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]، وقال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، وكفر الذين تعلقوا بالملائكة، فقال: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُون (٨٠)﴾ [آل عمران]، فهذا المشرك القبوري إذا أقر أن الاعتماد على الصالحين والقصد إلى قبورهم فعل المشركين؛ فإنه سيقر بأن هذا هو الشرك، ويلزمه أن يقر بأن ما يفعلونه عند قبور الصالحين من جنس فعل المشركين الأولين وبهذا تبطل هذه الشبهة، ويتبين بهذا أن الشرك ليس مخصوصًا بعبادة الأصنام، وإنما هو عبادة غير الله؛ سواء كان ملكًا مقربًا أو نبيًا أو صالحًا أو شجرًا أو حجرًا، فكل ما عُبِد من دون الله فقد اتخذه عابده ربًّا وإلهًا من دون الله فكان بذلك من المشركين.
يقول المؤلف ﵀: «وسر المسألة: أنه إذا قال: أنا لا أشرك بالله، فقل له: وما الشرك بالله؟ فسره لي، فإن قال: هو عبادة الأصنام، فقل له: وما معنى عبادة الأصنام؟ فسرها لي، فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله وحده، فقل: ما معنى عبادة الله وحده؟ فسرها لي …».
[ ٧١ ]