وأيضًا: فإن الشفاعة أُعطيها غير النبي ﷺ، فصح أن الملائكة يشفعون، والأفراط (^١) يشفعون، والأولياء يشفعون.
أتقول: إن الله أعطاهم الشفاعة فأطلبها منهم؟ فإن قلت هذا رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكرها الله في كتابه، وإن قلت: لا، بطل قولك: أعطاه الله الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله.
هذه الشبهة الخامسة في صيغة اعتراض، فإذا قال المشرك القبوري بعد المحاورة السابقة، وبعد الإنكار عليه الالتجاء إلى الصالحين وطلب الشفاعة منهم: أتنكر شفاعة النبي ﷺ ولا تقر بها وتبرأ منها؟ كأنه بعد إفحامه وبعد غلبته بالحجة، ذهب يتهم الموحد ويشهر به، ويدعي أن النهي عن الالتجاء إلى الصالحين وطلب الشفاعة منهم؛ يتضمن إنكار شفاعتهم، ويقول: أتنكر شفاعة النبي ﷺ؟ فإذا قال ذلك، فقل له: لا أنكرها بل أقول: إن شفاعة النبي ﷺ حق فهو الشافع المشفع، وهو سيد الشفعاء، وله شفاعات منها: أنه يشفع في أهل الموقف أن يقضى بينهم - وهو المقام المحمود -، ويشفع فيمن دخل النار من أمته، فيخرج منها من شاء الله، وفي كل مرة يأتي ويسجد ويحمد ربه، فيقال له: ارفع رأسك وقُل يُسمَع وسل تُعْطَه واشفع تُشفَّع، يقول: «فيحد لي حدًّا فأخرجهم من النار» (^٢) فهو أول شافع وأول مشفع (^٣).
_________________
(١) الأطفال.
(٢) رواه البخاري (٤٤٧٦)، ومسلم (١٩٣) من حديث أنس ﵁.
(٣) قوله ﷺ: «أول شافع وأول مشفع»؛ مشفع - بتشديد الفاء - اسم مفعول من التشفيع؛ أي: مقبول الشفاعة، وإنما ذكر الثاني لأنه قد يشفع اثنان فيشفع الثاني منهما قبل الأول، فهو ﷺ أول من يشفع، وأول من تقبل شفاعته، والله أعلم.
[ ٥٩ ]
لكن مع هذا الإقرار بشفاعة الرسول ﷺ، يجب أن نعلم أن الشفاعة يوم القيامة لا تكون إلا بشرطين:
- بإذن الله للشافع.
- ورضاه عن المشفوع له.
فالشفاعة عند الله ليست كالشفاعة عند الخلق؛ لأنَّ الشفاعة عند المخلوق تكون بغير إذنه، فالمقرب والوزير يأتي ويشفع وإن كان الملك غير راض، ولكنه قد يقبل الشفاعة لأنه محتاج إليه، وإن كان غير راض عن المشفوع له فيضطر إلى قبول شفاعته. أما الله تعالى، فله الملك كله ليس بحاجة إلى أحد من الخلق، ولهذا فلا أحد يشفع عند الله إلا بإذنه كما جاء ذلك في آيات منها قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]؛ أي: لا أحد يشفع عنده إلا بإذنه، وهذا سيد الشفعاء محمد ﷺ لا يبدأ بالشفاعة أولًا، بل يبدأ بالسجود والحمد حتى يؤذن له بالشفاعة، فيقال له: «ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع» (^١).
وهكذا غيره من الملائكة والنبيين والصالحين لا يشفع أحد منهم حتى يُؤذن له ولا يشفعون إلا لمن ارتضى الله تعالى؛ كما قال سبحانه: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وهو سبحانه لا يرتضي إلا أهل التوحيد، فلا يشفع أحد من الأنبياء أو الملائكة أو الصالحين إلا لمن كان موحدًا.
_________________
(١) انظر: التخريج السابق.
[ ٦٠ ]