أما الظالمون المشركون فليس لهم شفيع؛ كما قال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاع (١٨)﴾ [غافر].
إذا عرفت أن الشفاعة يوم القيامة لا تكون إلا بإذنه تعالى للشافع ورضاه عن المشفوع له؛ علمت أن الشفاعة كلها لله، فاطلبها من الله، وقل: «اللهم شفع فيَّ نبيك اللهم اجعلني من أهل شفاعته»؛ إذ الشفاعة لا تُطلب أصلًا إلا من الله تعالى، ولا يجوز أن تُطلب من ميت أو من غائب. أما الضُّلال فإنهم يطلبونها من الملائكة وهم غائبون عنهم، ويطلبونها من الأموات؛ فتجدهم يصرخون عند قبورهم يسألونهم الشفاعة، وشفاء مرضاهم، ونصرهم على الأعداء، ومنحهم ما يحتاجون إليه، وبدل أن يتوجهوا إلى الله يتوجهون إلى الأموات المرتهنون في قبورهم، وهذا من الضلال المبين.
وهذا الكلام أيضًا موجه ومناسب لحال المسلم أو المنتسب للإسلام الذي يتوجه إلى النبي ﷺ، أو غيره طلبًا لشفاعته، يرجو أن يشفع له في حوائجه في الدنيا، ويدعوه ويتقرب إليه رجاء شفاعته في الآخرة، ولهذا قال الشيخ: اطلب من الرب أن يشفعه فيك، وهذا لا ينمُّ عن نقص في طلب الشفاعة من الحي القادر، كما سيأتي.
فقول الشيخ ﵀: «فإن قال: النبي ﷺ أعطي الشفاعة، وأنا أطلبه مما أعطاه الله …» هذه أيضًا شبهة سادسة من شبهات المشركين الذين يتعلقون على الأنبياء والصالحين، ويخصون النبي ﷺ بالكلام أحيانًا، فيقول: إن الرسول قد أعطاه الله الشفاعة كما في الحديث الصحيح:
[ ٦١ ]
«وأُعطيت الشفاعة» (^١)، وقال ﵊: «وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة» (^٢)، فالله أعطاه الشفاعة وأنا أطلب من الرسول الشفاعة، وأقول: يا رسول الله! اشفع لي، يا رسول الله ادع الله أن يغيثني - وهو في قبره -؟
نقول لو كان الرسول ﷺ حيًّا، فيجوز أن تطلب منه الشفاعة، فقد كان الصحابة يطلبون منه أن يشفع لهم عند الله بمعنى أن يدعو لهم، ومن ذلك قول ذلك الأعرابي: «إنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك»، فأنكر النبي ﵊ قوله: نستشفع بالله عليك، وقال له: «إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه» (^٣)، فأنكر عليه واحدة، وأقره على الثانية، فأقره في استشفاعه بالرسول إلى الله «ونستشفع بك على الله»، فيجوز الاستشفاع بالحي القادر، فيطلب من العبد الصالح أن يدعو الله له؛ إما طلب خاص، أو طلب عام للمسلمين قال عكاشة: «يا رسول! ادع الله أن يجعلني منهم» (^٤)، والمرأة التي كانت تُصرع تأتي وتقول: يا رسول الله! ادع الله لي (^٥)، ويطلب منه المسلمون أن يستسقي لهم، فيقول أحدهم: «ادع الله يغيثنا» (^٦)، فيدعو فيجيب الله دعاءه،
_________________
(١) رواه البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١) من حدث جابر بن عبد الله ﵄.
(٢) رواه البخاري (٦٣٠٤)، ومسلم - واللفظ له - (١٩٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) رواه أبو داود (٤٧٢٨)، وصححه ابن خزيمة في «التوحيد» ص ١٠٣ من حديث جبير بن مطعم ﵁.
(٤) رواه البخاري (٦٥٤١)، ومسلم (٢٢٠) من حديث ابن عباس ﵄.
(٥) رواه البخاري (٥٦٥٢)، ومسلم (٢٥٧٦) من حديث ابن عباس ﵄.
(٦) رواه البخاري (١٠١٣)، ومسلم (٨٩٧) من حديث أنس ﵁.
[ ٦٢ ]
وينزل الغيث، ويأتي هذا الرجل ويطلب من النبي ﷺ أن يدعو الله أن يرفع السحاب عنهم (^١)، والرجل الأعمى الذي قال: «يا رسول الله! ادع الله أن يعافيني» (^٢)، إلى غير ذلك.
والحي يشفع، وقد شرع الله ﷿ جواز الدعاء للمؤمنين فقال لنبيه ﵊: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]، أما بعد موته ﷺ فلا يجوز طلب الدعاء منه؛ لأنه وإن كان يسمع سلام المؤمن، فلا يلزم منه أن يسمع ممن يطلب منه الدعاء، ولو فرض أنه يسمع لكنه في قبره فليس حاله كحاله في الدنيا؛ ولهذا لم يكن الصحابة ﵃ يأتون إلى قبره ويسألونه الدعاء؛ فضلًا عن أن يتقرب إليه أحدهم بصلاة أو نذر أو ذبح، أو أن يدعوه مباشرة، فيدعوه من بعد أو قرب، وإنما كان المسلمون بعد وفاة الرسول ﷺ يرجون شفاعته يوم القيامة، ولما أجدبت الأرض واحتاجوا للسقيا؛ لم يأتوا ليطلبوا منه أن يستسقي لهم كما قال عمر ﵁: «اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا» (^٣)، فعدل عن الاستسقاء بالنبي ﵊ إلى الاستسقاء بالعباس ﵁، وهذا يدل على أنه لا يجوز طلب الشفاعة من الميت.
فإذا قال لك القبوري: إن النبي ﷺ أعطاه الله الشفاعة، فقل: نعم أعطاه الله الشفاعة، وأمرك أن لا تدعو مع الله أحدًا، فلما كان الله هو
_________________
(١) انظر: التخريج السابق.
(٢) رواه أحمد (٤/ ١٣٨)، وصححه الترمذي (٣٥٧٨)، وابن خزيمة (١٢١٩)، والحاكم (١/ ٣١٣) من حديث عثمان بن حنيف ﵁.
(٣) رواه البخاري (١٠١٠) من حديث أنس ﵁.
[ ٦٣ ]
الذي أعطاه الشفاعة، فالواجب عليك أن تسأل الله، وتقول: اللهم شفع فيَّ نبيك، اللهم وفقني لِاتباعه. أما إذا دعوت الرسول ﷺ فإن معنى ذلك أنك أشركت مع الله في عبادة الدعاء، والله تعالى يقول: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن].
ورد عليه بجواب آخر أيضًا: وهو أن الذين أعطوا الشفاعة غير الأنبياء كثير، منهم: الملائكة والصالحين والأفراط، فإذا كان كل من أعطي الشفاعة يدعى إذًا فادع الأنبياء والملائكة والصالحين، فأنت بين خيارين: إما أن تدعو كل من أعطاه الله الشفاعة، فتدعو الملائكة، أو تدعو الأنبياء وتستغيث بهم، وتطلبهم النصر والرزق، والشفاء من الأمراض، فتكون قد شاركت الذين يغلون ويعبدون الصالحين والأنبياء.
وإما أن تقول: لا أدعو الملائكة ولا الأنبياء، فيقال لك: وكذلك النبي ﷺ، إن كان إعطاء الملائكة والأنبياء والصالحين الشفاعة لا يوجب دعاءهم مع الله؛ فكذلك الرسول ﷺ.
ونحن أهل التوحيد نقر بشفاعة هؤلاء كلهم، ولكننا نؤمن بالله ونرجو ذلك، ولا نتوجه بالدعاء والخوف، والرجاء والرغبة، والرهبة والعبادات العملية الإيمانية، إلا إلى الله، فلا نستغيث إلا به، ولا ندعو غيره، ولا نرجو سواه، ولا نتوكل إلا عليه، ولا نذبح إلا له، ولا نتقرب إلا إليه سبحانه، فهذا جواب سديد محكم، وهذه الشبهات -كما تقدم - فيها تقارب وتداخل، إلا أن عباراتها تتنوع.
* * * * * * *
[ ٦٤ ]
* قال الشيخ ﵀:
فإن قال: أنا لا أشرك بالله شيئًا حاشا وكلا. ولكن الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك. فقل له: إذا كنت تقر أن الله حرم الشرك أعظم من تحريم الزنا، وتقر: أن الله لا يغفره فما هذا الأمر الذي حرمه الله وذكر أنه لا يغفره؟ فإنه لا يدري.
فقل له: كيف تبرئ نفسك من الشرك وأنت لا تعرفه؟ أم كيف يحرم الله عليك هذا ويذكر أنه لا يغفره، ولا تسأل عنه ولا تعرفه؟! أتظن أن الله ﷿ يحرمه ولا يبينه لنا.
فإن قال: الشرك عبادة الأصنام ونحن لا نعبد الأصنام.
فقل له: ما معنى عبادة الأصنام؟ أتظن أنهم يعتقدون أن تلك الأخشاب والأحجار تخلق وترزق وتدبر أمر من دعاها؟ فهذا يكذبه القرآن.
فإن قال: إنهم يقصدون خشبة أو حجرًا أو بنية على قبر أو غيره، يدعون ذلك ويذبحون له، ويقولون: إنه يقربنا إلى الله زلفى، ويدفع الله عنا ببركته، أو يعطينا ببركته.
فقل: صدقت، وهذا هو فعلكم عند الأحجار والأبنية التي على القبور وغيرها.
فهذا أقر أن فعلهم هذا هو عبادة الأصنام، فهو المطلوب.
[ ٦٥ ]
ويقال له أيضًا: قولك: الشرك عبادة الأصنام، هل مرادك أن الشرك مخصوص بهذا؟ وأن الاعتماد على الصالحين ودعاءهم لا يدخل في ذلك؟ فهذا يرده ما ذكره الله تعالى في كتابه من كفر من تعلق على الملائكة أو عيسى أو الصالحين، فلا بد أن يقر لك أن من أشرك في عبادة الله أحدًا من الصالحين فهو الشرك المذكور في القرآن، وهذا هو المطلوب.
وسر المسألة: أنه إذا قال: أنا لا أشرك بالله، فقل له: وما الشرك بالله؟ فسره لي. فإن قال: هو عبادة الأصنام، فقل له: وما معنى عبادة الأصنام؟ فسرها لي، فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله وحده، فقل: ما معنى عبادة الله وحده؟ فسرها لي. فإن فسرها بما بينه القرآن فهو المطلوب. وإن لم يعرفه فكيف يدعي شيئًا وهو لا يعرفه؟ وإن فسر ذلك بغير معناه بينت له الآيات الواضحات في معنى الشرك بالله وعبادة الأوثان، وأنه الذي يفعلونه في هذا الزمان بعينه، وأن عبادة الله وحده لا شريك له هي التي ينكرون علينا، ويصيحون فيه كما صاح إخوانهم، حيث قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَاب (٥)﴾ [ص].
فإن قال: إنهم لا يكفرون بدعاء الملائكة والأنبياء وإنما يكفرون لما قالوا: الملائكة بنات الله، فإنا لم نقل: إن عبد القادر ولا غيره ابن الله.
فالجواب: أن نسبة الولد إلى الله تعالى كفر مستقل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١) اللَّهُ الصَّمَد (٢)﴾، والأحد: الذي لا نظير له
[ ٦٦ ]
والصمد: المقصود في الحوائج، فمن جحد هذا فقد كفر ولو لم يجحد السورة.
وقال الله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] ففرق بين النوعين، وجعل كلًا منهما كفرًا مستقلًا، وقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام] ففرق بين الكفرين.
والدليل على هذا أيضًا أن الذين كفروا بدعاء اللات - مع كونه رجلًا صالحًا - لم يجعلوه ابن الله، والذين كفروا بعبادة الجن لم يجعلوهم كذلك.
وكذلك أيضًا: العلماء في جميع المذاهب الأربعة يذكرون في «باب حكم المرتد»؛ أن المسلم إذا زعم أن لله ولدًا فهو مرتد، [وإن أشرك فهو مرتد]، فيفرقون بين النوعين، وهذا في غاية الوضوح.
وإن قال: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون (٦٢)﴾ [يونس].
فقل: هذا هو الحق، ولكن لا يُعْبَدون، ونحن لا ننكر إلا عبادتهم مع الله وشركهم معه، وإلا فالواجب عليك حبهم واتباعهم والإقرار بكرامتهم، ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلالات، ودين الله وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين، وحق بين باطلين.
[ ٦٧ ]