* قال الشيخ ﵀:
إذا تحققت أن الذين قاتلهم رسول الله ﷺ أصح عقولًا وأخف شركًا من هؤلاء؛ فاعلم أن لهؤلاء «شبهة» يوردونها على ما ذكرنا، وهي من أعظم شبههم، فأصغ سمعك لجوابها، وهي أنهم يقولون:
إن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن «لا إله إلا الله»، ويكذبون الرسول ﷺ، وينكرون البعث، ويكذبون القرآن ويجعلونه سحرًا، ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ونصدق القرآن، ونؤمن بالبعث، ونصلي ونصوم فكيف تجعلوننا مثل أولئك؟
فالجواب:
١ - أنه لا خلاف بين العلماء كلهم أن الرجل إذا صدق رسول الله ﷺ في شيء وكذبه في شيء؛ أنه كافر لم يدخل في الإسلام، وكذلك إذا آمن ببعض القرآن وجحد بعضه، كمن أقر بالتوحيد، وجحد وجوب الصلاة، أو أقر بالتوحيد والصلاة، وجحد وجوب الزكاة، أو أقر بهذا كله وجحد الصوم، أو أقر بهذا كله وجحد الحج، ولما لم ينقد أناس في زمن النبي ﷺ للحج؛ أنزل الله تعالى في حقهم: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين (٩٧)﴾ [آل عمران].
ومن أقر بهذا كله وجحد البعث؛ كفر بالإجماع وحل دمه وماله كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللّهِ
[ ٨١ ]
وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا (١٥٠) أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا (١٥١)﴾ [النساء]، فإذا كان الله تعالى قد صرح في كتابه أن من آمن ببعض وكفر ببعض فهو الكافر حقًا، وأنه يستحق ما ذكر؛ زالت [هذه] الشبهة، وهذه هي التي ذكرها بعض أهل الأحساء في كتابه الذي أرسله إلينا.
٢ - ويقال أيضًا: إن كنت تقر أن من صدق الرسول ﷺ في كل شيء وجحد وجوب الصلاة، إنه كافر حلال الدم والمال بالإجماع؛ كذلك إذا أقر بكل شيء إلا البعث، وكذلك لو جحد وجوب صوم رمضان وصدق بذلك كله؛ لا تختلف المذاهب فيه، وقد نطق به القرآن كما قدمنا.
فمعلوم أن التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي ﷺ، وهو أعظم من الصلاة والزكاة والصوم والحج، فكيف إذا جحد الإنسان شيئًا من هذه الأمور كفر، ولو عمل بكل ما جاء به الرسول ﷺ، وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا يكفر؟ سبحان الله ما أعجب هذا الجهل!
٣ - ويقال أيضًا لهؤلاء: أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوا بني حنيفة، وقد أسلموا مع النبي ﷺ وهم يشهدون: أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ، ويؤذنون ويصلون، فإن قال: إنهم يقولون: إن مسيلمة نبي؟ فقل: هذا هو المطلوب، إذا كان من رفع رجلًا إلى
[ ٨٢ ]
رتبة النبي ﷺ كفر وحل ماله ودمه، ولم تنفعه الشهادتان ولا الصلاة، فكيف بمن رفع شمسان أو يوسف أو صحابيًا أو نبيًا إلى مرتبة جبار السماوات والأرض؟ سبحان الله ما أعظم شأنه ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُون (٥٩)﴾ [الروم].
٤ - ويقال - أيضًا -: الذين حرَّقهم علي بن أبي طالب ﵁ بالنار؛ كلهم يدعون الإسلام، وهم من أصحاب علي ﵁، وتعلموا العلم من الصحابة، ولكن اعتقدوا في علي مثل الاعتقاد في يوسف وشمسان وأمثالهم، فكيف أجمع الصحابة على قتلهم وكفرهم؟! أتظنون أن الصحابة يكفرون المسلمين؟! أم تظنون أن الاعتقاد في «تاج» وأمثاله لا يضر، والاعتقاد في علي بن أبي طالب يكفِّر؟
٥ - ويقال أيضًا: بنو عبيد القداح الذين ملكوا المغرب ومصر في زمان بني العباس؛ كلهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويدَّعون الإسلام، ويصلون الجمعة والجماعة، فلما أظهروا مخالفة الشريعة في أشياء دون ما نحن فيه؛ أجمع العلماء على كفرهم وقتالهم، وأن بلادهم بلاد حرب، وغزاهم المسلمون حتى استنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين.
٦ - ويقال أيضًا: إذا كان الأولون لم يكفروا إلا لأنهم جمعوا بين الشرك وتكذيب الرسول ﷺ والقرآن، وإنكار البعث وغير ذلك، فما معنى الباب الذي ذكره العلماء في كل مذهب: باب حكم المرتد؟! وهو: المسلم الذي يكفر بعد إسلامه؟ ثم ذكروا أنواعًا كثيرة، كل
[ ٨٣ ]
نوع منها يكفر ويحل دم الرجل وماله، حتى أنهم ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها، مثل: كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه، أو كلمة يذكرها على وجه المزح واللعب.
٧ - ويقال أيضًا: الذين قال الله فيهم: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٤]، أما سمعت الله كفّرهم بكلمة مع كونهم في زمن رسول الله ﷺ، ويجاهدون معه ويصلون ويزكون ويحجون ويوحدون؟! وكذلك الذين قال الله فيهم: ﴿قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُون (٦٥)﴾ ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة]؛ فهؤلاء الذين صرح الله فيهم أنهم كفروا بعد إيمانهم وهم مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك قالوا كلمة ذكروا أنهم قالوها على وجه المزح.
فتأمل هذه الشبهة وهي قولهم: تكفرون من المسلمين أناسًا يشهدون أن لا إله إلا الله ويصلون ويصومون؟ ثم تأمل جوابها؛ فإنه من أنفع ما في هذه الأوراق.
٨ - ومن الدليل على ذلك أيضًا: ما حكى الله عن بني إسرائيل - مع إسلامهم وعلمهم وصلاحهم -؛ أنهم قالوا لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وقول أناس من الصحابة: اجعل لنا ذات أنواط فحلف رسول الله ﷺ أن هذا نظير قول بني إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا﴾ (^١).
_________________
(١) تقدم تخريجه في ص ٢٦.
[ ٨٤ ]
ذكر أهل العلم في باب أحكام الردة أمورًا من وقع فيها وأقيمت علية الحجة وكان غير متأول؛ فإنه يكفر، فمن أقر بالتوحيد وجحد وجوب الصلاة أو وجوب الزكاة أو الصوم أو الحج؛ كفر، لأنه تكذيب لله ورسوله فلو أقر الرجل بما جاء به الرسول ﵊ لكنه جحد شيئًا مما جاء به الرسول مما هو مقطوع به فإنه يكفر؛ لأن الله جعل المكذب لرسول مكذبًا لجميع الرسل، فقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِين (١٤١)﴾ [الشعراء]، وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِين (١٢٣)﴾ [الشعراء]، وقال تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ﴾ [الفرقان: ٣٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا (١٥٠)﴾ ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا (١٥١)﴾ [النساء]، وهكذا من كذب بشيءٍ مما جاء به الرسول ﷺ، فإنه يكفر، ولو صدق الرسول بكل شيء سوى ذلك، وهذا متفق عليه بين المسلمين؛ أن من أنكر هذا الشيء مما جاء به الرسول مما هو معلوم من الدين بالضرورة فإنه يكفر، ويصير مرتدًّا حلال الدم، قال النبي ﷺ: «من بدَّل دينه فاقتلوه» (^١).
ولو قال: أطيع الرسول في كل شيء إلا في مسألة تحريم الخمر، فأنا لا أطيعه فيستحل الخمر، فإنه يكفر بذلك - نسأل الله العافية -، فإذا كان الأمر كذلك فكيف بمن جحد التوحيد الذي هو أعظم ما جاء به الرسل،
_________________
(١) رواه البخاري (٣٠١٧) من حديث ابن عباس ﵄.
[ ٨٥ ]
وزعم أن الغلو في الصالحين ليس بشرك؟! لا شك أنه أشد كفرًا، وبهذا يعلم بطلان هذه الشبهة، فإن الكفر يكون بكلمة، ويكون بفعل ويكون باعتقاد، وهذا كله يبين أن النطق بالشهادتين لا يعصم الدم والمال إذا أتى الإنسان بناقض من نواقض الشهادتين التي هي أسباب الردة.
ومن الوجوه التي يرد بها على هذه الشبهة: أن الصحابة ﵃ قاتلوا بني حنيفة أصحاب مسيلمة قتال الكفار، وسبوا نساءهم وذريتهم؛ مع أنهم ينطقون بالشهادتين ويؤذنون ويصلون، فعلم بهذا أن من أتى بناقض يكفر، ولو كان يتكلم بالشهادتين.
ولكن قد يقول الخصم: إن هؤلاء كفروا لأنهم ادعوا أن مسيلمة نبي، فيقال: نعم، إذا كانوا قد كفروا بأن رفعوا بشرًا إلى مرتبة النبي ﵊، فكيف بمن رفع بعض البشر؛ كشمسان أو يوسف أو غيرهم ممن تعظم قبورهم، ويدعون ويستغاث بهم من دون الله إلى مرتبة رب السماوات والأرض! فمن فعل هذا فإنه يكون كافرًا من باب أولى.
ومن الوجوه التي يرد بها على هذه الشبهة؛ ما وقع في خلافة علي ﵁، من تحريقه للسبئية الذين ادعوا فيه الإلهية (^١)؛ مع أنهم كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله، ويدعون الإسلام، وهم من أصحاب علي، وتعلموا من الصحابة، وسموا بالسبئية؛ لأنهم أصحاب عبد الله بن سبأ، وهو الذي زين لهم هذا الباطل، فلما اعتقدوا في علي ﵁، ما يعتقده الضلال في هذا الزمان في يوسف وشمسان وتاج وغيرهم
_________________
(١) انظر: التخريج السابق.
[ ٨٦ ]
من المعظمين والمعبودين في زمن الشيخ؛ حرقهم ﵁ وقال قولته المشهورة:
لما رأيت الأمر أمرًا منكرًا
أججت ناري ودعوت قنبرًا
وقد أجمع الصحابة على قتلهم وكفرهم، فهل يظن ظانٌّ أن الاعتقاد في تاج لا يضر، والاعتقاد في علي يوجب الكفر؟ هذا من أبطل الباطل، أم يظن أن الصحابة يكفرون المسلمين؟ وهذا أيضًا ظن سوء في أصحاب رسول الله ﷺ.
فعلم من هذا أن النطق بالشهادتين لا ينفع مع وجود ما يناقضها، فإذا حصل ما يناقضها حصلت الردة، وقد قال ﷺ: «لا يحل دم امرئٍ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (^١)، وقال ﷺ «من بدل دينه فاقتلوه» (^٢).
ومن الوجوه أيضًا في الرد على هذه الشبهة: أن بني عبيد القداح الذين ملكوا مصر والمغرب، بل والحجاز في خلافة بني العباس، واستمر ملكهم قريبًا من مائتي سنة؛ كانوا يشهدون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويصلون ويقيمون الجمعة والجماعة، فلما أظهروا مخالفة الشريعة، ومن ذلك ما يذكر عنهم أنهم كانوا يظهرون
_________________
(١) رواه البخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (١٦٧٦) - واللفظ له - من حديث ابن مسعود ﵁.
(٢) تقدم في ص ٨٥.
[ ٨٧ ]