الرفض، ويبطنون الكفر المحض، واعتقادهم في الحاكم العبيدي - أول ملوكهم - الإلهية، فكفرهم المسلمون، وعدوا ديارهم ديار حرب، وغزوهم حتى أنقذ الله بلاد المسلمين من أيديهم على يد صلاح الدين الأيوبي ﵀.
وقول الشيخ: «في أشياء دون ما نحن فيه» فيه نظر؛ فالقول بأنه دون ما عليه القبوريون الجهال ليس بظاهر؛ لأن بنو عبيد القداح ملاحدة من غلاة الروافض، والرافضة ثلاث طوائف على سبيل الإجمال: «غلاة وإمامية متوسطون، وزيدية».
ومن الوجوه في الرد على هذه الشبهة؛ أنه:
إذا كان الإنسان لا يكفر حتى يجمع بين الشرك والتكذيب بالقرآن والبعث والرسول؛ إذًا فما معنى الباب الذي ذكره أهل العلم في كل مذهب واسمه «باب حكم المرتد»؟ والمرتد هو من كفر بعد إسلامه؛ لأن الكافر نوعين: كافر أصلي، وهو من لم يدخل في الإسلام أصلًا، مثل اليهود والنصارى، وكافر مرتد: وهو الذي أسلم ثم ارتد، وهو أقبح من الكافر الأصلي؛ لأن الكافر الأصلي يمكن أن يقر على كفره بالجزية، ويمكن يعاهد. أما المرتد، فإنه لا يقبل منه إلا الإسلام أو يقتل.
وقد ذكر أهل العلم أقوال وأفعال كثيرة في موجبات الكفر وأسباب الردة؛ حتى ذكروا أشياء يسيرة؛ كمن يتكلم بكلمة لا يلقي لها بالًا يقولها على سبيل المزح فيكفر بذلك؛ كما قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٤]، وكذلك الذين قالوا:
[ ٨٨ ]
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُون (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَّعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِين (٦٦)﴾ [التوبة]، فأخبر سبحانه أنهم كفروا بعد ما آمنوا؛ وذلك بسبب ما كان منهم من استهزاء، وقد جاء في سبب نزول هذه الآية عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رجل في غزوة تبوك في مجلس: «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنًا ولا أجبن عند اللقاء»، فقال رجل في المجلس: كذبت ولكنك منافق؛ لأخبرن رسول الله ﷺ، فبلغ ذلك النبي ﷺ، ونزل القرآن، قال عبد الله بن عمر: فأنا رأيته متعلقًا بحقب ناقة رسول الله ﷺ، تنكبه الحجارة، وهو يقول: «يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونلعب» ورسول الله ﷺ يقول: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُون (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة] (^١)، ولا شك أن من نواقض الإسلام وأسباب الردة الاستهزاء بالله أو القرآن أو الرسول، ولو قال: أنا أمزح.
فإذا أتى الإنسان بناقض من نواقض الإسلام؛ عالمًا عامدًا مختارًا، فإنه يكفر ولو كان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. ومعنى كلام الشيخ أن الذين يدعون الصالحين ويستغيثون بهم ويعكفون على قبورهم؛ قد وقعوا في ناقض من نواقض شهادة أن لا إله إلا الله؛ ولذلك فلا ينفعهم أنهم ينطقون بلا إله إلا الله؛ لأن شهادة أن لا إله إلا الله تقتضي تخصيصه بالعبادة، فلا يرجى ولا يخاف، ولا يتوكل ولا يدعى إلا الله سبحانه.
_________________
(١) رواه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٢/ ١٧٢).
[ ٨٩ ]
لكن من قال كلمة الكفر سهوًا من غير شعور، أو لسبق لسان؛ كالذي قال: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك» (^١)، فأخطأ من شدة الفرح، هذا ليس كمن قالها عالمًا، وإن كان من غير اعتقاد؛ لكنه قالها عالمًا بمعناها، مختارًا متعمدًا.
فتأمل هذه الشبهة وهي قولهم: تكفرون من المسلمين أناسًا يشهدون أن لا إله إلا الله ويصلون ويصومون ثم تأمل جوابها فإنه أنفع ما في هذه الأوراق.
وقد ذكر الشيخ الشواهد من الأقوال الفقهية لأهل العلم في حكم المرتد، فالذي يعبد مع الله غيره، فيدعوهم ويستغيث بهم، ويتقرب إليهم؛ يصير مشركًا، ولو كان يقول لا إله إلا الله. والسبب أن هؤلاء كما تقدم في مطلع الكتاب لا يدركون ولا يفهمون معنى لا إله إلا الله، فلذلك يشركون مع الله، ويقولون: لا إله إلا الله، ويفعلون ما يناقض دلالتها ومقتضاها.
قوله: «ومن الدليل على ذلك أيضًا: ما حكى الله عن بني إسرائيل - مع إسلامهم وعلمهم وصلاحهم -؛ أنهم قالوا لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وقول أناس من الصحابة: «اجعل لنا ذات أنواط»، فحلف رسول الله ﷺ؛ أن هذا نظير قول بني إسرائيل: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا﴾ [الأعراف: ١٣٨] …».
_________________
(١) رواه مسلم (٢٧٤٧) من حديث أنس ﵁.
[ ٩٠ ]
لما قال بنو إسرائيل لموسى ﵇: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا﴾ [الأعراف: ١٣٨]، فأنكر عليهم وأغلظ في الإنكار وقال: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُون (١٣٨)﴾ [الأعراف]، وظاهر الحال أنهم لم يكفروا؛ لأنهم لم يفعلوا، ولو اتخذوا إلهًا وصنمًا كالذين رأوهم لكفروا، وليس المراد بالجهل هنا عدم العلم مطلقًا؛ لكن كل من فعل منكرًا فهو جاهل ويحتمل - والله أعلم - أنه يريد جهلهم وهو عدم العلم.
ولكن إذا حصل شيء من ذلك؛ أي: إذا طلب الإنسان أمرًا منكرًا محرمًا فإنه يبين له، وينكر عليه؛ خصوصًا ما يناقض التوحيد، فإذا تكلم فيه مسلم فإنه لا يكفر، لكن ينبغي أن يغلظ عليه لبيان عظم هذا الأمر، فإن موسى ﵇ قال لهم: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُون (١٣٨)﴾ ﴿إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُون (١٣٩)﴾ ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِين (١٤٠)﴾ [الأعراف]، وكبر الرسول ﷺ، وقال لأصحابه: «الله أكبر! إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده …»، وهذا فيه تغليظ في الإنكار.
* * * * * * *
[ ٩١ ]