إلهًا مع الله، فوقعوا في الشرك ونسبة الولد إلى الله، وهذا الجواب بين واضح والشبهة واهية داحضة.
ولا شك أن الكفر قد يجتمع في الشخص الواحد لعدة أسباب، فاليهود كفروا بتكذيب المسيح، وقتل الأنبياء، وكفروا أيضًا بتكذيب محمد ﷺ، وكل واحدة من هذه الثلاث هي كفر مستقل بنفسه، والنصارى كفروا بزعمهم أن عيسى ابن الله، واتخاذه وأمه إلهين من دون الله، وكفروا أيضًا بتكذيبهم محمد ﷺ.
فإذا قال لك هذا المشرك الذي يتعلق بالصالحين، ويتوجه إليهم بالدعاء والاستغاثة، ويلجأ إليهم بالشدائد محتجًا على باطله: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون (٦٢)﴾ [يونس]، وجه الاستدلال عنده هنا كأنه يقول إن أولياء الله لا بد أن يرضيهم الله بنجاة من يتعلق بهم ويتوجه إليهم؛ لأن من كمال أمنهم من الحزن والخوف أن الذين يغلون فيهم، ويتعلقون بهم؛ لا بد أن ينالوا مرادهم.
فنقول: أولًا: الجواب على هذا الاستدلال تقدم في الجواب المجمل.
وثانيًا: نعم أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون حقًا، فإن لهم منزلة عظيمة عند ربهم، وقد أمنهم الله من الخوف والحزن، ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم (٦٤)﴾ [يونس]، ولكنهم مع ذلك لا يُعبَدون، وهذه الآية ليس فيها حجة على عبادة الأولياء والالتجاء إليهم، وإنما فيها ثناء من الله عليهم، ووعد لهم.
[ ٧٥ ]
ونحن لا ننكر إلا الغلو فيهم وعبادتهم من دون الله، وإلا فإن الواجب على المسلم أن يحب أولياء الله، ويعرف لهم فضلهم، ويتبعهم على الهدى، وأن يقر بكراماتهم التي هي الأمور الخارقة التي يجريها الله على يد بعض أوليائه؛ إظهارًا لفضلهم، ودفعًا للحاجة في بعض الأحيان، وفيها إقامة الحجة على خصومهم ومن يعاديهم، وهذا من عقيدة أهل السنة والجماعة، ولا ينكر كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلال؛ كالمعتزلة، ولكن ليس كل ما يُحكى ويذكره الناس يصير واقعًا، وإنما يجب التصديق بما ثبت من كرامات الأولياء.
فدين الله حق بين باطلين في كل المعاني وكل الأبواب، وهذا يفيد بأن الذين يخاصمون من هؤلاء الغلاة المشركين يرمون أهل التوحيد بهضم منزلة أولياء الله.
* * * * * * *
[ ٧٦ ]