يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُون (٢٠)﴾ [النحل]، هذا إنكار للعقول، وعجيب أمر العباد؛ يقرون هذا الإقرار، ثم يتوجهون بخالص الخوف والرجاء، والتوكل والتقرب، والدعاء والمناجاة، ويجعلونها لمن يعظمونه، ويألهونه، ويعتقدون به من ملك أو نبي أو صالح ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِين (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُون (١٩٥)﴾ [الأعراف].
وكذلك الذين يتوجهون إلى قبور الصالحين من الأموات ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُون (٥)﴾ [الأحقاف]، فهؤلاء القبوريون في العالم الإسلامي من الذين بنوا الأضرحة والمساجد على القبور؛ يأتي أحدهم إلى الولي، ويدعوه ويرجوه، ويطلبه الحوائج، والولد، والوظيفة، والمال، وكذلك هم يطلبون منهم مباشرة الشفاعة عند الله، ويطلبون الحوائج منهم، فيجمعون بين الشرك في العبادة والشرك في الربوبية.
والمشركون عمومًا هم أهون كفرًا - والعياذ بالله - من الملاحدة الذين ينكرون وجود الخالق ﷿، ومن كان أكفر كان حظه من عذاب الله وسخطه أوفر.
ولعل الشيخ يريد مما تقدم أن يقرر أمرًا، وهو أنه إذا تحققت مما ذُكِر لك أن المشركين كانوا مقرين بأن الله هو خالق كل شيء، وأنه رب كل شيء ومليكه، وأن أهل السماوات والأرض وما بينهما؛ كلهم
[ ١٨ ]
عبيده، تحت تصرفه وقهره، ومع ذلك لم يكونوا بهذا الإقرار مسلمين، ولا موحدين، ولا مؤمنين، بل كانوا مشركين.
وإذا تحققت أن التوحيد الذي أنكروه هو توحيد العبادة؛ لأنهم كانوا يعبدون مع الله غيره، فمنهم من يعبد الملائكة لصلاحهم وقربهم من الله تعالى؛ يريد شفاعتهم، ومنهم من يعبد الأنبياء كالنصارى في عبادتهم للمسيح، ومنهم من يعبد بعض الصالحين، مثل الذين كانوا يعبدون اللاتَ، وهو الرجل الصالح الذي كان يلت السويق للحجيج في الطائف (^١).
والشيخ ﵀، يقول: إن توحيد العبادة هو الذي يسميه أهل زماننا أو مشركو زماننا: «الاعتقاد»، ويقولون: يعتقد بالرسول، ويعتقد بالولي الفلاني، فيدعونه ويرجونه ويخافونه.
وتوحيد العبادة حقيقته، هو: إفراد الله بالحب والخوف، والرجاء والتوكل، وكل أنواع العبادة، فالمشركون الأولون والمشركون المتأخرون كلهم يشركون في العبادة، فيعبدون مع الله الملائكة والأولياء والصالحين، فالنصارى عبدوا المسيح وأمه؛ كما قال تعالى له: ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]، وهؤلاء المشركون عندهم إيمان وشرك، ولكن إيمانهم مع هذا الشرك لا ينفعهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُون (١٠٦)﴾ [يوسف]، وهذا تناقض؛ إذ كيف يقرون بأن الله خالق السماوات والأرض، وخالقهم ورازقهم، ومدبر الأمر، وهو
_________________
(١) رواه البخاري (٤٨٥٩) عن ابن عباس ﵄، في قوله: ﴿اللاَّتَ وَالْعُزَّى (١٩)﴾ [النجم]: «كان اللات رجلًا صالحًا يلت سويق الحاج».
[ ١٩ ]
الذي يحيي ويميت، ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ومع ذلك يعدلون به سواه؛ ولهذا يقول الله بعد كل آية: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُون (٨٥)﴾ [المؤمنون]، وهذا توبيخ لهم؛ والمعنى: إذا كنتم تقرون بأن الله هو الذي يرزقكم من السماء والأرض، ويملك السمع والأبصار، ويخرج الحي من الميت، وهو الذي يدبر الأمر إذًا، فاعبدوه؛ لأن من هذا شأنه هو المستحق للعبادة؛ شرعًا وعقلًا.
وكان المشركون الأولون يدعون الله ﷾ ليلًا ونهارًا - لاسيما في الشدائد -، ويدعون معه غيره، فمنهم من يدعو الملائكة، ومنهم من يدعو الأنبياء، ومنهم من يدعو الصالحين؛ فقاتلهم النبي ﷺ كلهم، ولم يفرق بينهم على هذا الشرك، ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله، والإقرار بأنه المستحق للعبادة وحده دون ما سواه قال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِين (١٠٦)﴾ [يونس]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِير (٦٢)﴾ [الحج]، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤]، أي: له وحده؛ لأن الجار والمجرور يفيد الحصر، فهو وحده المستحق بأن يُدعى ويُرجى ويُخاف؛ لأنه ﷾ هو الذي يجيب الدعاء. أما هؤلاء فلا، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُون (٥)﴾ [الأحقاف].
قوله: «إذا تحققت أنهم مقرون …» إذا أداة شرط؛ والمعنى: إذا عرفت وتحققت من كل ما سبق وهذا شرط، ثم جاء جواب الشرط بعد
[ ٢٠ ]
ذلك كله، وهو قوله: «عرفت حينئذٍ التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأبى عن الإقرار به المشركون»، وهو توحيد العبادة، واقرأ قصص الأنبياء، فقصص الأنبياء فيها بيان ما كانت عليه هذه الأمم من الشرك في العبادة، والضلال عن هذا التوحيد، يقول الله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيب (٦١) قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيب (٦٢)﴾ [هود]، وكلهم كانوا على هذا المنوال؛ كما قال تعالى أنهم قالوا لرسلهم: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِين (١٠)﴾ [إبراهيم]، فالرسل كل واحد منهم كان يخاطب قومه قائلًا لهم: ﴿اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُون (٦٥)﴾ [الأعراف].
وقد أجمل الله هذا كله - أعني: ما فصله من قصص الأنبياء - في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون (٢٥)﴾ [الأنبياء]، فتبين من ذلك أن التوحيد الذي دعت إليه الرسل هو توحيد العبادة، ومع ذلك يزعم كثير من المتأخرين أن التوحيد الذي دعت إليه الرسل، هو الإقرار بأن الله هو النافع الضار، وأنه الخالق؛ بل يزعمون أن هذا هو معنى «لا إله إلا الله»، وهذا من أفحش الغلط والجهل بأصل الدين الذي بعث الله به رسله.
[ ٢١ ]
قال الشيخ ﵀:
وهذا التوحيد هو معنى قولك «لا إله إلا الله» فإن الإله عندهم هو الذي يُقصد لأجل هذه الأمور: سواء كان ملكًا أو نبيًا أو وليًا أو شجرة أو قبرًا أو جنيًا، لم يريدوا أن الإله هو الخالق الرازق المدبر، فإنهم يعلمون أن ذلك لله وحده كما قدمت لك، وإنما يعنون بالإله: ما يعني المشركون في زماننا بلفظ: «السيد»، فأتاهم النبي ﷺ يدعوهم إلى كلمة التوحيد وهي: «لا إله إلا الله»، والمراد من هذه الكلمة معناها، لا مجرد لفظها.
والكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي ﷺ بهذه الكلمة هو: إفراد الله تعالى بالتعلق به، والكفر بما يعبد من دون الله والبراءة منه؛ فإنه لما قال لهم قولوا: «لا إله إلا الله» قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَاب (٥)﴾ [ص] (^١).
_________________
(١) يشير الشيخ إلى ما أخرجه الترمذي (٣٢٣٢) عن ابن عباس ﵄، قال: مرض أبو طالب فجاءته قريش وجاءه النبي ﷺ، وعند أبي طالب مجلس رجل، فقام أبو جهل كي يمنعه، وشكوه إلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي! ما تريد من قومك؟ قال: «إني أريد منهم كلمة واحدة تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم العجم الجزية»، قال: كلمة واحدة؟ قال: «كلمة واحدة»، قال: «يا عم، قولوا: لا إله إلا الله»، فقالوا: إلهًا واحدًا ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة، إن هذا إلا اختلاق، قال: فنزل فيهم القرآن: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْر (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاق (٢)﴾ [ص]، إلى قوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلَاق (٧)﴾ [ص]، قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح».
[ ٢٢ ]