كاهن، وهم في قرارة أنفسهم يعلمون ويقرون أو يعتقدون أنك صادق تمامًا، وهذا واقع كثير من الكفار، فهم يقرون بالحق في قلوبهم، ويقرون به بألسنتهم؛ لكنهم يقولون إننا لا نقدر أن نعمل به من أجل قومنا وأهلينا وعشيرتنا، وهذا ينطبق على حال أبي طالب عم النبي ﷺ، فإن أبا طالب كان مصدقًا بالرسول ﷺ؛ ظاهرًا وباطنًا، إلا أنه لم يستجب ولم ينقد ولم يقر بما جاء به، فامتنع أن يقول: لا إله إلا الله إلى آخر رمق؛ تعصبًا لملة أبيه عبد المطلب، فلم ينفعه ذلك التصديق.
وهذه حال كثير من أهل الكفر، يعرفون الحق ولكنهم لا يعملون به ولا ينقادون له لعذر من الأعذار؛ إما تعصبًا للآباء، أو خوف المذمة عند قومهم وعشيرتهم، أو لأمر مادي؛ كما قال الله ﷿: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ف﴾ [التوبة: ٩].
فالناس بهذا الاعتبار ثلاثة أقسام:
الأول: مؤمنون ظاهرًا وباطنًا، ويدخل فيه جميع المؤمنين: الظالم لنفسه والمقتصد والسابق للخيرات.
والثاني: كافرٌ ظاهرًا وباطنًا، وهو المعلن للكفر، والمعلن للكفر كافر؛ لا ينفعه تصديقه الباطن أو معرفته الباطنة.
والثالث: مؤمن ظاهرًا لا باطنًا، وهم المنافقون.
وهذه الأقسام الثلاثة ذكرها الله في مواضع كما فصلها في أول سورة البقرة؛ ذكر صفات المؤمنين وصفات الكافرين، وصفات المنافقين.
[ ١١٢ ]
فإن عمل بالإيمان بجوارحه وهو لا يعتقده بقلبه فهو منافق؛ لأن المنافقين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر؛ كما قال الله تعالى عنهم: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُون (١٤)﴾ [البقرة].
والمنافقون مصيرهم معروف، وأنهم شر من الكفار المظهرين المعلنين لكفرهم؛ ولهذا كان المنافقون ﴿فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥].
وغلاة المرجئة يقولون: الإيمان هو المعرفة، فمن عرف بأن الله ربه وخالقه فهو مؤمن، ويقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة.
والكرامية يقولون: إن من أقر بلسانه فهو مؤمن.
وكل هذه أقوال باطلة، فإن التوحيد والإسلام والإيمان لا بد أن يتطابق فيه الظاهر والباطن.
والمسألة العظيمة التي يريد أن يتكلم الشيخ عنها هي مسألة «ما تقع به الردة عن الإسلام»، وقد تقدم أن الردة تقع بالشرك بالله، وبالتكذيب بما أخبر الله ورسوله، وإن كان الشخص يقول: «لا إله إلا الله».
وإذا تأمل الإنسان أحوال الناس وأقوالهم، فإنه يدرك أن منهم من يعمل بالحق ظاهرًا لا باطنًا؛ أي يوافق على الحق مداهنة، وهو بالباطن خلاف ذلك، ومنهم من يترك الحق، فيكون كفره ظاهرًا، فالأمر يتردد إما بين الكفر الظاهر، أو النفاق.
[ ١١٣ ]
والنجاة تكون بمعرفة الحق واتباعه؛ ظاهرًا وباطنًا.
أما من ترك الحق إيثارًا لدنيا، أو لأغراض مختلفة؛ فإنه لا يعذر، ومما يوضح هذا الأمر النظر في آيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى في المستهزئين: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦]، فهذه الآية نزلت في الذين أطلقوا كلامًا على وجه المزح استهزاءً بالرسول ﷺ وأصحابه حيث قالوا: «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطونًا، وأكذب ألسنة، وأجبن عند اللقاء»، وفي الرواية أنهم يعنون رسول الله ﷺ؛ فأنزل الله هذه الآية، وذهب عوف بن مالك يبلغ الرسول ﵊، فوجد الوحي قد سبقه، وجاء ذلك الرجل الذي أطلق الكلمة يعتذر إلى الرسول ﷺ، وقد ركب الرسول ﷺ راحلته، فتعلق بنسعة الراحلة، فجعل يردد: «إنما كنا نخوض ونلعب، ونتحدث حديث الركب، نقطع به عناء الطريق»؛ فأنزل الله: ﴿أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُون (٦٥)﴾ ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة] (^١).
فإذا كان هؤلاء قد كفروا بعد إيمانهم؛ لأنهم تكلموا بكلام على وجه المزح فكيف بمن أظهر الكفر من أجل غرض من أغراض الدنيا، وخوفًا على فوت مصلحة من المصالح، أو مشحة بالوطن أو بالأهل والعشيرة؟! كمن يعز عليه فراق أهله وعشيرته، ويعز عليه مخالفتهم أيضًا كأبي طالب الذي ما منعه من قول «لا إله إلا الله» إلا المشحة بالآباء والخوف من مخالفتهم.
_________________
(١) تقدم في ص ٨٩.
[ ١١٤ ]
والآية الثانية قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم (١٠٦)﴾ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾ [النحل]، فهذه الآية تدل على أن كل من أظهر الكفر لأي غرض من الأغراض، فإنه كافر؛ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، فلم يستثن إلا المكره، فمن أظهر الكفر خوفًا من فوات حظ من الحظوظ مشحةً بالوطن والأهل والعشيرة، فهو كافر؛ لأنه غير مكره، والله تعالى لم يستثن إلا المكره، كمن قيل له سب الرسول ﷺ، أو سب هذا القرآن والمصحف، وإلا فهذا السيف على رأسك، وهو يتكلم بهذا، وقلبه يحترق، ويجد ألمًا في باطنه، بل وفي ظاهره؛ فهذا هو المكره، ولا يكفر.
والآية تدل على هذا من وجهين:
أولًا: أن قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾؛ تدل على أن المراد الإكراه على فعل الكفر، أو التكلم بالكفر. أما اعتقاد القلب فلا تعلق للإكراه به؛ لأنه لا يستطيع أحد أن يكره أحدًا على اعتقاد قلبه؛ لأنه أمر باطن، يقول تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾؛ أي فقد كفر، ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ فمن أظهر الكفر من غير إكراه، فقد شرح بالكفر صدرًا.
ثانيًا: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾ [النحل: ١٠٧]، فهذا تصريح على أن الذي حملهم على الكفر هو إيثار الدنيا؛ فعلم بذلك أن الكفر لا يتوقف على اعتقاد القلب، ولا
[ ١١٥ ]