فهذه القصة من الإسرائيليات، وتذكر في كتب التفسير عند قوله تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِين (٦٨)﴾ [الأنبياء]، وقوله تعالى: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيم (٩٧)﴾ [الصافات]، فقوم إبراهيم المشركون كانوا قد أضرموا له نارًا عظيمة، ولم يستطيعوا أن يضعوه فيها من قرب؛ فجاءوا بالمنجنيق فوضعوه فيه، وقذفوا به إلى النار، فعرض جبريل ﵇ لإبراهيم في أثناء القذف، وهو في الهواء، فقال له: ألك حاجة؟ قال أما إليك فلا، وأما إلى الله فبلى، فيستدل المبطل: بأن هذا جبريل عرض على إبراهيم أن يغيثه، فلو كانت الاستغاثة شركًا لما عرض ذلك عليه.
والجواب على هذه الشبهة كالجواب على الشبهة السابقة، وهو أن استغاثة الناس بالأنبياء يوم القيامة استغاثة بحي قادر، وهكذا لو استغاث إبراهيم بجبريل، فإنها استغاثة بحي قادر، كيف وقد وصفه الله بأنه: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم]، فلو أذن الله له أن يلقي نار إبراهيم وما حولها من الأرض والجبال في مكان بعيد؛ شرقًا أو غربًا، أو أذن له أن يأخذ إبراهيم إلى مكان بعيد، أو أن يرفعه إلى السماء؛ لفعل.
ويمثل الشيخ هذه القصة برجل غني له مال يعرض على فقير محتاج أن يسلفه، أو يعطيه هبة، فيأبى ذلك الفقير، ويصبر حتى يأذن الله له برزق لا منَّة فيه لأحد، فهكذا فعل إبراهيم ﵇، حيث أبى أن يفعل له جبريل شيئًا توكلًا منه على الله؛ ولهذا جاء في الصحيح عن ابن عباس ﵄؛ أنه قال في قول الله تعالى ﴿حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل (١٧٣)﴾ [آل عمران]، قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها
[ ١٠٧ ]
محمد ﷺ حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل (١٧٣)﴾ [آل عمران] (^١)، وهذا يتضمن التوكل على الله، والرضا بكفايته، وعدم الالتفات لسواه.
فقول إبراهيم لجبريل: أما إليك فلا، من باب التوكل على الله، وكمال الثقة بأن الله سينصر نبيه وخليله، قال الله تعالى: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيم (٦٩)﴾ [الأنبياء]، فإنها أمام أعينهم نار ملتهبة من اتصل بها أحرقته، وهي على إبراهيم الذي كان بداخلها بردًا وسلامًا، ولم يأت الأمر ﴿كُونِي بَرْدًا﴾ فقط، ولو أمرها الله ﷿ أن تكون بردًا لحالت إلى برد بالنسبة لكل أحد، ولكنه قيد الأمر، فقال: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيم (٦٩)﴾.
يقول الشيخ في ختام هذا الكلام: «فأين هذا من استغاثة العبادة والشرك؟!» أي: أين الاستغاثة بالحي القادر من الاستغاثة بالأموات والغائبين؟ وهي الاستغاثة البدعية الشركية، والله أعلم.
* * * * * * *
_________________
(١) رواه البخاري (٤٥٦٣).
[ ١٠٨ ]