الأمر الثاني: أن الأولين يدعون مع الله أناسًا مقربين عند الله؛ إما أنبياء وإما أولياء وإما ملائكة، أو يدعون أشجارًا أو أحجارًا مطيعة لله تعالى ليست عاصية، وأهل زماننا يدعون مع الله أناسًا من أفسق الناس، والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور من الزنا والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك، والذي يعتقد في الصالح أو الذي لا يعصي مثل الخشب والحجر أهون ممن يعتقد فيمن يشاهد فسقه وفساده، ويشهد به.
هذا الكلام مبني على ما سبق - يعني: من الشرك -، يقول: إذا عرفت أن ما يسميه أهل زماننا: «الاعتقاد» بفلان والاعتقاد بعلان؛ كالاعتقاد بالبدوي والعيدروس وابن علوان وشمسان من شيوخ الطرق الصوفية؛ هذا الاعتقاد هو نفس الشرك الذي كان عليه المشركون الأولون، وبهذا يعلم أن أولئك الذين يعتقدون في الصالحين حكمهم حكم المشركين الأولين الذين قاتلهم الرسول ﷺ.
فإذا عرفت ذلك فاعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل زماننا، وإن شئت قل: فاعلم أن شرك أهل زماننا أغلظ شركًا من الأولين، كما عبر بذلك في «القواعد الأربع» (^١)، والشيخ هنا بعدما قرر أن شرك أهل زماننا هو نفس ما كان عليه المشركون الأولون؛ أراد أن يبين أن شرك أهل هذا الزمان أشد من شرك الأولين، وذلك لأمرين:
_________________
(١) القاعدة الرابعة ص ٢٦ في أول هذا المجلد.
[ ٧٨ ]
الأول: أن المشركين الأولين كانوا في الرخاء يدعون الله، ويدعون من يدعون من الملائكة والأنبياء والصالحين ويدعون أوثانهم. وأما في الشدة إذا نزلت بهم الضراء وألمَّت بهم الخطوب، وأحاطت بهم الأمواج كالظلل؛ فهم يخلصون ويفردون الله ﷾ ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُون (٦٥)﴾ [العنكبوت]، وقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِين (٢٢) فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [يونس]، وهكذا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّار (٨)﴾ [الزمر].
أما مشركو أهل هذا الزمان؛ فيشركون في الرخاء والشدة، فمن يخالط أو يسافر مع مشركي هذا الزمان يراهم عند هيجان البحار وتلاطم الأمواج؛ يستغيثون بسادتهم وبمعظميهم، فالرافضي يقول: يا علي أو يا حسين! والصوفي يقول: يا بدوي أو يا سيدي أو يا فلان! وكلٌ له معظم يغلو فيه، ولا شك أن الذي يشرك في الرخاء والشدة أغلظ شركًا ممن لا يشرك إلا في الرخاء.
فحري بالمسلم أن يعرف الحق من الباطل، ويعرف أنواع الباطل والكفر والشرك؛ وحري به أن يعرف أن أحوال المشركين متفاوتة، فمن عنده بصيرة؛ فرق بين هذه الأصناف والأنواع.
[ ٧٩ ]
يقول ﵀: «الأمر الثاني: أن الأولين يدعون مع الله أناسًا مقربين عند الله؛ إما أنبياء وإما أولياء وإما ملائكة، أو يدعون أشجارًا أو أحجارًا مطيعة لله تعالى ليست عاصية …».
الأمر الثاني من الأمور التي تدل على أن شرك الأولين أخف من شرك المتأخرين؛ أن الأولين كانوا يعبدون أناسًا صالحين؛ إما ملائكة أو أنبياء أو أولياء أو يعبدون أشجارًا وأحجارًا هي في حقيقتها عابدة ومسبحة لله. وأما المتأخرون فمن معبوديهم من هو معروف بالفسق والفجور، وهم يشهدون بذلك عليهم، ومنهم من يعبد بعض الطواغيت ممن يدَّعون فيهم الصلاح، وهم في الحقيقة فجرة فسقة؛ يرتكبون الحرام، وهذا ينطبق على بعض طواغيت الصوفية، ولكن الشيطان يلبس عليهم، فيقول: إنما فعل ما فعل لأنه قد وصل إلى الغاية في علم الباطن، ومن وصل إلى تلك الغاية فإنه تسقط عنه التكاليف، وتحل له المحرمات، وهذه من أقبح أنواع الكفر والضلال، فبدهيٌّ أن الذي يغلو في عبد صالح خير من الذي يغلو في عبد فاسق؛ لأن الصالحين لهم حق المحبة والتعظيم، وأما الفاسق والفاجر فليس له حق المحبة.
إذًا؛ فالمشركون الأولون أصح عقولًا؛ لأنهم يفهمون معاني الكلام وكما تقدم أنهم يعلمون معنى: «لا إله إلا الله»، ولهذا امتنعوا من قولها؛ لعلمهم بمناقضتها لدينهم، بخلاف المتأخرين فإنهم ليس لهم هذا الفقه.
* * * * * * *
[ ٨٠ ]