* قال الشيخ ﵀:
إذا عرفت ذلك وعرفت: أن الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين عليه أهل فصاحة وعلم وحجج؛ فالواجب عليك أن تتعلم من دين الله ما يصير سلاحًا تقاتل به هؤلاء الشياطين الذين قال إمامهم ومقدمهم لربك ﷿: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيم (١٦) ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِين (١٧)﴾ [الأعراف].
ولكن إذا أقبلت على الله، وأصغيت إلى حجج الله وبيناته؛ فلا تخف ولا تحزن ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ [النساء].
والعامي من الموحدين يغلب الألف من علماء هؤلاء المشركين؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُون (١٧٣)﴾ [الصافات]، فجند الله تعالى هم الغالبون بالحجة واللسان، كما أنهم هم الغالبون بالسيف والسنان، وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح، وقد من الله علينا بكتابه الذي جعله ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين (٨٩)﴾ [النحل]، فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها ويبين بطلانها؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ [الفرقان]. قال بعض المفسرين: هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة.
[ ٣٣ ]
لما ذكر الشيخ: أن من حكمته تعالى أنه لم يبعث نبيًا من نوح إلى محمد ﷺ إلا وجعل له أعداء يكذبونه ويؤذونه ويحاربونه وأتباعه، فابتلى الله الرسل وأتباعهم بأعدائهم، وأعداء الرسل هم في الحقيقة أعداء لأتباعهم المؤمنين ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾ [الفرقان]، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]؛ أي: أعداء من الجن وأعداء من الإنس، فشياطين الجن يوحون إلى شياطين الإنس بالوسوسة والشبهات والمخاصمات ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُون (١١٢)﴾ [الأنعام].
ذكر الشيخ هنا في هذا الفصل أنه يجب على المسلم أن يعلم أن هؤلاء الأعداء أصحاب علوم وفصاحة، ولهم مؤلفات وحجج هم مغرورون وفرحون بها، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر: ٨٣]؛ لا سيما في هذا العصر الذي فيه كم هائل من العلوم والفصاحة والكتب والمؤلفات عند أعداء الرسل من اليهود والنصارى والمشركين.
ومن تلك الشبه أن المشركين قالوا للمسلمين: أنتم تأكلون ما تقتلونه بأيديكم وهو عندكم حلال، وأما ما يقتله الله فأنتم تحرمونه، وجوابها ذكر في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ
[ ٣٤ ]