ولهم شبهة أخرى وهي ما ذكر النبي ﷺ أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، فكلهم يعتذرون حتى ينتهوا إلى رسول الله ﷺ". قالوا: فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركًا.
_________________
(١) حرام الدم والمال بدليل قصة أسامة إلخ. فأجابهم المصنف بأن من أظهر الإسلام والتوحيد وجب الكف عنه إلى أن يتبين منه ما يخالف ذلك، فإن تبين منه ما يخالف ذلك قُوتِل، ولو قالها، حتى يعمل بما دلت عليه. (ولهم شبهة أخرى) يعني مشركي هذه الأزمان غير ما تقدم (وهو ما ذكر النبي ﷺ) وثبت (أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى) إذا اشتد وطال بهم الموقف عمدوا إلى الاستغاثة بهؤلاء (فكلهم يعتذرون حتى ينتهوا إلى رسول الله ﷺ) فيقول: "أنا لها" (قالوا) قال المشبهون بهذا الحديث: (فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركًا) وهذا من جهلهم، ما عرفوا الفرق بين الاستغاثتين؛ فإن النبي ﷺ حياتُه معهم في القيامة أكمل، والاستغاثة الشركية التي أنكرناها ها هي ما يأتي بيانه؛ وهي الاستغاثة بالغائب أو الميت أو الحي الحاضر الذي لا يقدر، وأما الجائزة فهي طلب الحي الحاضر، وجنسُ سؤال التي موجودٌ في اليوم الآخر وإن كان قد انقطع العمل، موجود في النصوص أن النبي ﷺ يشفع لمن أُذِن له فيه. ففرقٌ بين ما هو معلوم الجواز وبين ما هو معلوم الحرمة والشرك.
[ ١١٩ ]
فالجواب أن نقول: سبحان من طبع على قلوب أعدائه؛ فإن الاستغاثة بالمخلوق على ما يقدر عليه لا ننكرها كما قال الله تعالى في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب، وغيرها من الأشياء التي يقدر عليها المخلوق. ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله.
ــ
(فالجواب أن نقول: سبحان من طبع على قلوب أعدائه) فحالَ بينهم وبين معرفة الفرق بين هذه الاستغاثة وهذه الاستغاثة؛ فصاروا لا يبصرون الشمس في رابعة النهار فلم يفرِّقوا بين الشرك والتوحيد فهذه شيء وهذه شيء آخر، وبينهما فرق في الكتاب والسنة وفرق في الحكم والحد (فإن الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها) يستغيث إنسان إنسانا في شيء يقدر عليه (كما قال تعالى في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ ١ وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب، وغيرها من الأشياء التي يقدر عليها المخلوق. ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء) الأموات مطلقًا (أو في غيبتهم) والغائبين مطلقًا. وقوله: (عند قبور الأولياء في غيبتهم) خرجَ مخرجَ الواقع والغالب؛ وإلا فالأصنامُ ونحوها كذلك والحي الحاضر (في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله) كالسؤال
_________________
(١) ١ سورة القصص، الآية: ١٥.
[ ١٢٠ ]
إذا ثبت ذلك فالاستغاثة بالأنبياء يوم القيامة يريدون منهم أن يدعوا الله أن يحاسب الناس حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف، وهذا جائز في الدنيا والآخرة؛ أن تأتي عند رجل صالح حي يجالسك ويسمع كلامك وتقول له ادعُ الله لي. كما كان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه في حياته. وأما بعد موته فحاشا وكلا أنهم سألوه ذلك عند قبره؛ بل أنكر السلف على من قصد دعاء الله عند قبره فكيف بدعاؤه نفسه.
_________________
(١) منه هدايةَ القلوب؛ أو رفع جبل ونحوه، وهذا كله استغاثة شركية وكلها أنكرناها؛ فمن سوَّى بينهما فقد سوى بين المتضادين وسوى بين المختلفين، فهو نظير التفريق بين المتماثلين؛ فإن الاستغاثة بالميت شرك أصلًا لكونه فاقد الحراك ولا يدري ولا يقدر، والاستغاثة بالغائب أيضًا شرك لكونه لا يسمع ولا يدري، والاستغاثة بالحي الحاضر فيها تفصيل؛ فإن كان فيما لا يقدر عليه كرد البصر بغير أمر طبي أو هداية القلب بغير الإرشاد والحجة أو نحو ذلك فهذا كله شرك أن يفعل بِسرِّه –أي بألوهيته- شيئًا من ذلك؛ فإن هذا لا يقدر عليه إلا الله، والاستغاثة بالحي الحاضر القادر أمر فطري ضروري معلوم بالشرع والحس والاستعمال؛ فإن الإنسان مدني محتاج إلى بني جنسه ومساعدتهم في جميع معاشه واتصالاته وهكذا كل حياة العالم على هذا. (إذا ثبت ذلك) أي إذا تقرر ما تقدم وهو الفرق بين الاستغاثتين؛ الاستغاثة الشركية التي انكرناها، والجائزة، أن التي أنكرناها استغاثة
[ ١٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
العبادة.. إلخ، لا الاستغاثة بالحي الحاضر فيما يقدر عليه (فالاستغاثة بالأنبياء يوم القيامة) من الثانية؛ فإنها استغاثة بحي حاضر قادر، هم مع الناس حاضرين قادرين في حياة أكمل من هذه الحياة الدنيا (يريدون منهم أن يدعوا الله أن يحاسب الناس حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف) فحقيقتها أن يرغبوا إليهم أن يسألوا الله ويدعوه (وهذا جائز في الدنيا) ولا محذور فيه (و) جائز في (الآخرة أن تأتي عند رجل صالح حي يجالسك ويسمع كلامك) قادر على الكلام (وتقول ادع الله لي) لأنه متمكن؛ وكذلك الأنبياء مع الناس يوم القيامة متمكنون أن يسألوا الله ويدعوه (كما كان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه) ذلك (في حياته) كما قالت أم أنس: "يا سول الله، خُوَيْدِمُك أنس ادع الله له"١ وكما قال عُكَّاشة بن محصن: "ادع الله أن يجعلني منهم"٢.
(وأما بعد موته فحاشا وكلا أنهم سألوه ذلك عند قبره) بل جاءتهم الكروب ولم يأت أحد زمن الحرة ولا غيرها بل يعدونه من أعظم المنكرات، فإن هذا هو الشرك الأكبر، ولعلهم أن ذلك مختص في حياته وأنه انقطع بعد مماته فلا يستغيثونه ولا يسألونه أن يدعو الله لهم أو يدعو له (بل أنكر السلف على من قصد دعاء الله) وحده مخلصًا (عند قبره) قبر النبي يظنه أجوب كما أنكر علي بن
_________________
(١) ١ "فقال: اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته" متفق عليه. ٢ "فقال: أنت منهم" أخرجه مسلم.
[ ١٢٢ ]