بيان العلم والعلماء، والفقه والفقهاء، وبيان من تشبه بهم وليس منهم، وقد بين الله هذا الأصل في أول سورة البقرة من قوله: ﴿يابني إسرائيل أذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾ [سورة البقرة، الآية: ٤٠] إلى قوله:﴾ يا بني إسرائيل أذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين ﴿، ﴿سورة البقرة، الآية: ٤٧﴾ . ويزيده وضوحًا ما صرحت به السنة في هذا الكلام الكثير البين الواضح للعامي البليد، ثم صار هذا أغرب الأشياء، وصار العلم والفقه هو البدع والضلالات، وخيار ما عندهم لبس الحق بالباطل، وصار العلم الذي فرضه الله تعالى على الخلق ومدحه لا يتفوه به إلا زنديق أو مجنون، وصار من أنكره وعاداه وصنف في التحذير منه والنهي عنه هو الفقيه العالم.
الشرح
قوله: "بيان العلم والعلماء، والفقه والفقهاء. . . إلخ"
المراد بالعلم (*) هنا العلم الشرعي وهو: علم ما أنزل الله على رسوله من البينات والهدى" والعلم الذي فيه المدح والثناء هو علم الشرع
علم ما أنزله الله على رسوله ﷺ من الكتاب والحكمة قال الله تعالى:﴾ قل هل يستوي الذي يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب ﴿، ﴿سورة الزمر، الآية: ٩﴾ وقال
[ ١٣٠ ]
النبي ﷺ: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" (١) وقال النبي ﷺ: "إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر" (٢) ومن المعلوم أن الذي ورثه الأنبياء إنما هو علم الشريعة، ومع هذا فنحن لا ننكر ان يكون للعلوم الأخرى فائدة، ولكنها فائدة ذات حدين: إن أعانت على طاعة الله وعلى نصر دين الله وأنتفع بها عباد الله كانت خيرًا ومصلحة، وقد ذكر بعض أهل العلم أن تعلم الصناعات فرض كفاية وهذا محل نظر ونزاع.
وعلى كل حال فالعلم الذي الثناء فيه وعلى طالبيه هو فقه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وما عدا ذلك فإن كان وسيلة إلى
خير فهو خير، وإن كان وسيلة إلى شر فهو شر، وإن لم يكن وسيلة لهذا وهذا فهو ضياع وقت ولغو.
_________________
(١) أخرجه البخاري / كتاب العلم / باب من يرد الله به خيرًا، ومسلم/ كتاب الزكاة / باب النهي عن المسألة.
(٢) أخرجه الإمام أحمد جـ٥ ص١٩٦، وأبو داود (٣٦٤١) والترمذي (٢٦٨١) وابن ماجه (٢٢٣) والدرامي (٣٣٨) والبغوي في " شرح السنة" جـ ١ ص ٢٧٥ برقم ﴿١٢٩﴾، والهيثمي في "موارد الظمآن" ﴿٨٠﴾ ن قال الحافظ في "الفتح" جـ١ ص ١٦٠ "وله شواهد يتقوى بها".
[ ١٣١ ]