وأما ما دونه من أنواع «الشرك الأصغر» فإنه يناقض كمال التوحيد الواجب، كما في الأمثلة التي ذكرها المؤلِّف.
فهناك أنواعٌ من الذنوب جاء النصُّ بأنها من «الشرك»؛ كالرياء، والحلف بغير اللَّه، وتسوية المخلوق باللَّه في المشيئة؛ كقول القائل: ما شاء اللَّه وما شئتَ، أو: هذا من اللَّه ومنكَ، أو: لولا اللَّه وأنتَ، وكالإفراط في حُبِّ المحبوبات الطبيعية، مثل: المال، والولد، وسائر أعراض الدنيا، فهذه المحبوبات الطبيعية إذا أفرط الإنسان في حبها، فصار يرضى لوجودها ويسخط لعدمها، إذا أُعْطِيَ منها رَضِيَ وإذا لم يُعْطَ منها سَخِطَ = صار قلبُه مُعَبَّدًا لها.
ثم ذكر المؤلِّف ﵀ أنَّه قد دلَّت الأدلَّة على أن كُلَّ الذنوبِ التي مصدرها من اتباع الهوى قد ورد فيها إطلاق اسم «الكفر» واسم «الشرك»، وإن كانت هذه الذنوب لا تُخرِج من الملَّة، ولا تُوجِب الردَّة، لكنها -ولا شك- تدل على نقص التوحيد وضعف الإيمان.
فلا بد إذًا لتحقيق مقتضى هذه الكلمة «لا إله إلا اللَّه» لتكون عاصمةً من دخول النار وموجبةً لدخول الجنة = من اجتناب كل ما ينافي تحقيق التوحيد، وينافي كماله، من أنواع الشرك والكفر.
والمقصود ب «الشرك» هنا: الشرك الأصغر، أما الشرك الأكبر فإنه مناقضٌ لأصل التوحيد، ومَن قال هذه الكلمة «لا إله إلا اللَّه» ثم أتى بما يناقضها فهو كافرٌ مُرتَدٌّ خارجٌ عن مِلَّةِ الإسلام، لا ينفعه قوله لها بلسانه؛ لأنه قد انتقض في حقه شرطٌ من الشروط، فإن الشهادتين تقتضيان:
[ ٨٧ ]
تحقيق التوحيد، وتحقيق المتابعة للرسول ﷺ؛ فشهادة «أن محمدًا رسول اللَّه» تقتضي تصديق الرسول بكل ما أخبر به، وطاعته بكل ما أمر به أو نهى عنه، وألا يُعْبَدَ اللَّه إلا بما شَرَعَ.
فلا بدَّ لتحقيق هاتين الشهادتين من القيام بما تقتضيه من أداء الفرائض، واجتناب المحرَّمات.
إذًا؛ فالذنوب منها ما يناقض أصل التوحيد، ومنها ما يناقض كماله، كما تقدم.
ثم ذكر المؤلِّف ﵀ جملةً من الذنوب مما ورد إطلاق اسم «الكفر» عليه؛ كقتال المسلم، أو إتيان الكاهن، أو إتيان المرأة في دبرها، أو إتيان الحائض.
ومن هذا الجنس إطلاق اسم «الكفر» على: الطعن في النسب، والنياحة على الميت، كما في قوله ﷺ: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ» (^١).
وكلُّ هذه ذنوبٌ تنافي تحقيق التوحيد والإيمان، وهذه الذنوب منها ما أُطلق عليه اسم «الشرك»، ومنها ما أُطلق عليه اسم «الكفر».
فعُلِمَ بهذا أنَّ «لا إله إلا اللَّه» لها مدلولٌ عظيمٌ، وأهلُها في تحقيقه متفاوتون، فأكملُ النَّاسِ توحيدًا هم الرُّسُلُ، وأكمَلُهم أولو العَزْمِ، ثم النَّاسُ بعد ذلك على مراتب؛ فمنهم الصدِّيقُون والشهداءُ والصالحون،
_________________
(١) أخرجه مسلم في «صحيحه» رقم (٦٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٨٨ ]