وردت قبل نزول الفرائض والحدود، ونسبَ المؤلِّفُ هذا القول إلى الزهري، وسفيان الثوري، ونُسِبَ أيضًا إلى سعيد بن المسيب وغيرِه ﵏.
وهذا الجواب ضعيفٌ لا يصح، بل هو (بعيدٌ جدًّا) كما قال المؤلِّف؛ لأنَّ هذا القول معناه أن هذه النصوص قالها الرسول ﷺ بمكة قبل الهجرة، وهذا لا يستقيم أبدًا؛ فإن الصحابة الكرام الذين رووا هذه الأحاديث وسمعوها ونقلوها كان ذلك منهم في المدينة، ومنهم من لم يُسْلِم إلا متأخِّرًا كأبي هريرة ﵁، وفي بعض ما رواه ما يفيد بأنه قد سمعه مباشرة من النبي ﷺ، ومن هذه الأحاديث -كما أشار المؤلِّف- ما وقع في غزوة تبوك، وهي متأخرةٌ، في آخر حياة النبي ﷺ.
فهذا القول إذًا غير مستقيم، ولا يصلح جوابًا عن هذه الأحاديث (^١).
ثم ذكر المؤلِّف ﵀ بأن أصحاب هذا القول منهم من يطلق لفظ «النسخ» ويقول بأن هذه الأحاديث منسوخة؛ يعني: أنه نسختها نصوص الفرائض والحدود، والوعيد على الذنوب.
وهذا القول يُرَدُّ عليه بأن هذه الأحاديث أخبار، والأخبار لا يَرِدُ عليها النسخ.
ولكن الأئمة المتقدِّمين -كالثوري مثلًا-، وهو ممن روي عنه أنه أطلق القول بالنسخ، وينبغي أن يوجَّه كلامُه إلى ما ذَكَرَه المؤلِّفُ من أنَّ «النَّسْخ» في عُرْفِ كثيرٍ من السلف يُطلَق ويُراد به البيان والإيضاح،
_________________
(١) ينظر في نقد هذا القول: «شرح النووي على مسلم» (١/ ٢٢٠).
[ ٧٤ ]
فيطلقون «النَّسْخ» على تقييد المطلق وتخصيص العام، فيقولون: هذا ناسخٌ؛ يعني: مخَصِّصٌ، أو هذا ناسخٌ؛ يعني: مُقَيِّدٌ، ويقولون: هذا منسوخٌ، ويريدون به العام المخصوص أو المطلق الذي ورد ما يُقَيِّدُه.
فليس مرادُ السَّلَفِ ب «النَّسخ» إذًا أنه (رفع حكم الدليل المتقدِّم بدليلٍ متأخِّرٍ عنه)، كما هو اصطلاح الأصوليين المتأخِّرين (^١).
وقد يجري هذا على مذهب من يقول من الأصوليين: إن الزيادة على النَّصِّ نَسخٌ، وهذا مذهبٌ معروفٌ ومشهورٌ عن الحنفية (^٢).
وحَمْلُ كلام الأئمة من السَّلَف على التوجيه الأول أولى؛ لأن الذين يقولون: إن الزيادة على النصِّ نَسْخٌ، هم يريدون به حقيقة «النَّسْخِ» المراد عند الأصوليين، من أنَّه (رَفعُ حكمِ الدَّليل المتقدِّم بالدَّليل المتأخِّر).
ولهذا قال مَنْ قال من الفقهاء - وهو كما ذكرتُ مشهورٌ عن الحنفية (^٣) -: إن زيادة حكم «التغريب» على «الجلد» في حدِّ الزاني البِكْر نَسْخٌ؛ لأنَّ حكم «التغريب» الوارد في السُّنَّة هو حكمٌ زائدٌ على ما ورد في القرآن في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢].
قالوا: ف «التغريب» زيادةٌ على النصِّ، والزيادة على النصِّ نَسْخٌ، ونَسْخُ القرآنِ بالسُّنَّةِ لا يجوز، فلم يأخذوا بحكم «التغريب» من أجل ذلك.
_________________
(١) ينظر: «المستصفى» للغزالي (١/ ٢٠٧)، و«روضة الناظر» لابن قدامة (١/ ٢٨٣).
(٢) ينظر: «كشف الأسرار» للبزدوي (٣/ ١٩١)، و«أصول السرخسي» (٢/ ٨٢).
(٣) ينظر: «المبسوط» للسرخسي (٩/ ٧٣)، و«بدائع الصنائع» للكاساني (٧/ ٤٠).
[ ٧٥ ]
والمقصود أن حمل كلام الثوريِّ وغيرِه من أنَّ هذه النصوص منسوخة بالفرائض على أنَّها بَيَّنَتها وفسَّرتْها ووَضَّحَتْها وقَيَّدَتْها = هو اللائق والمناسب، وهو ما رَجَّحَه المؤلِّف ﵀.
فإذا قيل: إن هذه النصوص ليست على إطلاقها، وإنما هي مبيَّنة بالنصوص الأخرى؛ نصوص الفرائض ونصوص الوعيد على المعاصي، وأنه يجب أن ترد هذه النصوص إلى تلك النصوص = اتضح بذلك الأمر واستقام المذهب، وحصل بهذا رد شبهة المرجئة، وبَطَلَ تعلقهم بهذه الأحاديث الواردة في فضل التوحيد.
وهذا الجواب متفقٌ في المآل مع الجواب الثاني، وهو قول من يقول: إن هذه الأحاديث إنما تدل على أنَّ التوحيد سببٌ للنَّجَاة من النَّار، والسَّبَب لا بدَّ فيه من وجود الشروط وانتفاء الموانع.
* * *
[ ٧٦ ]