فَيَا هَذَا كُنْ عَبْدَ اللَّهِ لا عَبْدَ الهَوَى، فَإِنَّ الهَوَى يَهْوِي بِصَاحِبِهِ فِي النَّارِ، ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّار (٣٩)﴾ [يوسف]، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ.
وَاللَّه مَا يَنْجُو غَدًا مِنْ عَذَابِ اللَّه إِلَّا مَنْ حَقَّقَ عُبُودِيَّةَ اللَّهِ وَحْدَهُ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ مَعَهُ إِلى شَيْءٍ مِنَ الأَغْيَارِ.
مِنْ عَلِمَ أَنَّ إِلَهَهُ وَمَعبُودَهُ فَردٌ، فَلْيُفرِدهُ بِالعُبُودِيَّةِ، ولا يُشرِك بِعِبَادَةِ ربِّهِ أَحَدًا.
تقدم تقرير أن كلمةَ التوحيد «لا إله إلا اللَّه» مدلولها: أنَّ الإلهَ الحق هو اللَّه ﷾، وأنَّه وحدَه المستحقُّ للعبادة، فهو سبحانه الذي يستحق أن يُؤلَه -يعني: يُعْبَد- وحده لا شريك له، فيُعْبَدُ خوفًا ورجاءً وتوكُّلًا ورغبةً ورهبةً واستعانَةً، وكلُّ أنواع العبادة الظاهرة والباطنة هو المستحق لها سبحانه دون من سواه.
وهذه الأعمال يتفاضل فيها الناس؛ فإنَّ الإيمان يزيد وينقص، فأعمال القلوب وأعمال الجوارح تزيدُ وتنقصُ تَبَعًا لذلك، ولذلك كان الناس أصنافًا؛ فمنهم السابقون بالخيرات، ومنهم المقتصدون، ومنهم الظالمون لأنفسهم، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢].
[ ٩٢ ]
إذًا؛ فالعِبَادُ متفاضلون في إيمانهم وفي طاعتهم وفي سائر أنواع العبادة تفاضلًا لا يعلم مداه إلا اللَّه الذي يعلم ما في القلوب، ويعلم ما يُسِرُّه العِبَادُ وما يُعلِنُون.
وأيضًا فهناك الذنوبُ التي تُنْقِصُ التوحيدَ والإيمانَ، ولهذا جاء في بعض النصوص -كما تقدَّم- تسميةُ بعض الذنوب «كُفْرًا»، وفي بعضها «شِرْكًا»، فكما أنَّ شُعبَ الإيمانِ إيمانٌ فإنَّ شُعَبَ الكُفْرِ كُفْرٌ، بمعنى أنها من الكفر، كما قال ﷺ: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ» (^١)، و«سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (^٢).
ومعنى ذلك: أنَّ الذي يَنْقُصُ تحقيقُه لمدلول هذه الكلمة العظيمة «لا إله إلا اللَّه» يكون قد شَابَهُ من الشِّرْكِ بقدر ما معه من المخالفة، ومن ذلك ما جاء في الحديث الصحيح: «تَعِسَ عبدُ الدينار، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ …» (^٣)، فإذا أفرط الإنسان في المحبَّة الطبيعية خرج إلى نوع من الشرك.
وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾ [التوبة: ٢٤]، فهذه
_________________
(١) تقدَّم تخريجه ص ٨٨.
(٢) متفقٌ عليه من حديثِ عبدِ اللَّه بنِ مَسعُودٍ ﵁، البخاري رقم (٤٨)، ومسلم رقم (٦٤).
(٣) تقدَّم تخريجه ص ٨٥.
[ ٩٣ ]