* قال ابنُ رجبٍ ﵀:
وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا القَولِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَتَّبَ دُخُولَ الجَنَّةِ عَلَى الأَعمَالِ الصَّالِحَةِ في كَثِيرٍ مِنْ النُّصُوصِ، كَمَا فِي «الصَّحِيحَينِ» عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخبِرنِي بِعَمَلٍ يُدخِلُنِي الجَنَّةَ. فَقَالَ: «تَعبُدُ اللَّهَ لا تُشرِكُ بِهِ شَيئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ، وَتُؤتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ» (^١).
وَفي «صَحِيحِ مُسلِمٍ» عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دُلَّنِي عَلى عَمَلٍ إِذَا عَمِلتُهُ دَخَلتُ الجَنَّةَ. قَالَ: «تَعبُدُ اللَّهَ لا تُشرِكُ بِهِ شَيئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ المَكتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ المَفرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ»، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لا أَزِيدُ عَلَى هَذَا شَيئًا، وَلا أُنقِصُ مِنهُ. فَقَالَ النبيُّ ﷺ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنظُرَ إلى رَجُلٍ مِنْ أَهلِ الجَنَّةِ فَليَنظُر إِلى هَذَا» (^٢).
هذه الأحاديث موافقة لما في القرآن العظيم، فاللَّه تعالى في آيات كثيرة إنما رَتَّبَ دخولَ الجنَّة على الإيمان والعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (١٣٣٢)، ومسلم رقم (١٣).
(٢) أخرجه مسلم رقم (١٤).
[ ٦٠ ]
فِيهَا خَالِدُون (٨٢)﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآب (٢٩)﴾ [الرعد]، وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾ [طه].
والآيات في هذا المعنى كثيرة، فدخولُ الجنَّة مرَتَّبٌ على الإيمان والعمل الصالح.
وهذه الأحاديث التي سُئِلَ فيها الرسول ﷺ عمَّا يُدْخِلُ الجنَّة ويُبَاعِدُ عن النَّار لم يقتصر في الجواب عن ذلك على قوله للسائل مثلًا: «قل: لا إله إلا اللَّه» فقط، بل قال له: «تعبدُ اللَّه ولا تشركُ به شيئًا»؛ أي: تخلص في العبادة للَّه، وهذا الجواب هو معنى «لا إله إلا اللَّه»، ثم قال له أيضًا: «وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرَّحِم»، فجمع في جوابه هذا بين التوحيد والعمل الصالح.
ومن هذا الجنس أيضًا حديث معاذ المشهور الذي أخرجه الترمذي وغيره، - وهو من أحاديث «الأربعين النووية» (^١) -، قال: قلتُ: يا رسول اللَّه، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، قال: «لقد سَأَلتَ عن عَظِيمٍ، وإنَّهُ لَيَسِيرٌ على مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيهِ، تَعبُدُ اللَّه وَلا تُشْرِكُ بِهِ
_________________
(١) وهو الحديث التاسع والعشرون.
[ ٦١ ]
شَيئًا، وتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ البَيتَ» (^١)، فذكر له أصول الإسلام ومبانيه العظام، وجعل ذلك هو السبب في دخول الجنة والنجاة من النار، فلم يقصر جوابه على قوله: «تعبد اللَّه ولا تشرك به شيئًا» مع أن قوله: «تعبد اللَّه ولا تشرك به شيئًا» يقتضي العمل، ويقتضي إخلاص العبادة للَّه وحده.
فهذه الأحاديث موافقة لما جاء في القرآن تمام الموافقة.
* * *
_________________
(١) أخرجه الترمذي في «جامعه» رقم (٢٦١٦)، وابن ماجه في «سننه» رقم (٣٩٧٣)، والإمام أحمد في «المسند» رقم (٢٢٠١٦)، وغيرهم. والحديث بمجموع طرقه ثابتٌ محفوظٌ، قال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ»، وصحَّحه العلامة ابن القيم في «إعلام الموقعين» (٤/ ٢٥٩) وغيره.
[ ٦٢ ]