ومن جانبٍ آخر:
- منها ما فيه إطلاق القول بالشهادة من غير تقييدٍ، كما في حديث معاذ بن جبل ﵁: «ما من عبد يشهد: أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا عبده ورسوله إلا حرمه اللَّه على النار»، وحديث أبي ذر ﵁: «ما من عبد قال: لا إله إلا اللَّه، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة»، وحديث عبادة ﵁: «من شهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه حَرَّمَ اللَّه عليه النَّار».
- ومنها ما فيه ذكر قولها مقَيَّدًا، كما في حديث عتبان ﵁: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ على النَّارِ مَنْ قال: لا إله إلا اللَّه يبتغي بذلك وجه اللَّه»، وحديث أبي سعيد أو أبي هريرة رضي اللهُعنهُما في قصة ما وقع لهم في غزوة تبوك، لما أصابتهم المجاعة وأمرهم النبي ﷺ بجمع ما في أزوادهم، وفيه فقال النبي ﷺ: «أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه، لا يلقى اللَّه بهما عبدٌ غيرَ شَاكٍّ فيُحجَبُ عن الجنَّة».
والمتأمِّل في هذه الأحاديث يجد فيها: ذِكر الشَّهادة، وذِكر الإخلاص، وذِكر العلم، وعدم الشَّكِّ، مما يدُلُّ على أنَّه لا يكفي مجرَّد التلفُّظ بها.
ومن هنا أخذ العلماء من هذه الأحاديث شروط «لا إله إلا اللَّه»، وهي ثمانية شروط: العلم، واليقين، والانقياد، والصدق، والإخلاص، والمحبة، والقبول، والكفر بما يعبد من دون اللَّه (^١).
_________________
(١) وهذه الشروط الثمانية جمعها بعضهم في بيتين فقال: عِلْمٌ يَقِينٌ وإِخلَاصٌ وَصِدْقُكَ مَعْ مَحَبَّةٍ وَانْقِيَادٍ وَالقَبُولِ لَهَا وَزِيْدَ ثَامِنُهَا الكُفْرَانُ مِنْكَ بِمَا سِوَى الإِلَهِ مِنْ الأَشْيَاءِ قَدْ أُلِهَا
[ ٤١ ]
فهذه الشروط مستمدة من هذه الأحاديث وغيرها من نصوص الشرع.
وأول هذه الأحاديث التي أوردها المؤلِّف ﵀ هو حديث معاذ ﵁، وفيه أنه كان رديفَ النبيِّ ﷺ على حمار؛ يعني: راكبًا خَلفَه، فقال: «يا معاذ»، فقال: لبيك وسعديك، ويُكَرِّرُ عليه رسولُ اللَّه ﷺ هذا الخطاب وهذا النداء مرات؛ ليستجمع معاذٌ ذهنَه، ولِيَتِمَّ إقبالُه، فالأمرُ عظيمٌ، ثم قال له: «ما من عبد يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمَّدًا عبده ورسوله إلا حَرَّمه اللَّه على النار»، وفي اللفظ الآخر المشهور: «حَقُّ اللَّه على العِبَادِ أن يَعبُدوه ولا يُشرِكُوا به شَيئًا، وحَقُّ العِبَادِ على اللَّه ﷿ ألَّا يُعَذِّبَ مَنْ لا يُشرِكُ به شَيئًا».
وهذا الحديث -بلفظيه- يوافق حديث عِتبانَ وغيرِه، وبيانُ ذلك أنَّ قولَه في هذه الرواية: «إلا حَرَّمَه اللَّه على النَّارِ»، هو معنى قوله في الرواية الأخرى: «وحق العباد على اللَّه ألَّا يُعَذِّب من لم يشرك به شيئًا»، فالحديثُ واحِدٌ، والروايتان متفقتان في المعنى، فكأنَّ اختلاف اللفظ راجعٌ إلى الرواية بالمعنى.
فشهادة: «أن لا إله إلا اللَّه» هي معنى «حقُّ اللَّهِ على العِبَادِ أن يَعبُدُوه ولا يُشْرِكُوا به شَيئًا»، وهذا هو مضمون شهادة: «أن لا إله إلا اللَّه».
وشهادة «أنَّ محمدًا رسول اللَّه» تتضمن الإيمان به وبما جاء به، وأعظم ما جاء به هو «التوحيد».
ولفظ «الشهادة» في قوله ﷺ: «مَا مِنْ عَبدٍ يَشهَدُ …» يقتضي العلم والصدق واليقين، فلا بد في الشهادة من العلم؛ لأن الشهادة بلا علمٍ
[ ٤٢ ]