هذه الرِّسالة المختصرة يدورُ قُطبُ رَحَاهَا حول كلمةٍ عظيمةٍ جليلةٍ شريفةٍ هي كلمة التوحيد: «لا إلهَ إلا اللَّه، محمَّدٌ رسولُ اللَّه».
وتنبُع أهميةُ هذه الرِّسالة من أهمية هذه الكلمة العظيمة التي هي رأسُ الإسلامِ ومفتاحُ دارِ السَّلام، وعليها أُسست المِلَّة ونُصِبت القِبلة، وعنها يُسألُ الأوَّلونَ والآخِرون، وهي منشأ الخلق والأمر، والثواب والعقاب، وبها انقسم الناس إلى مؤمن وكافر، وبرٍّ وفاجر.
وقد افتتح المؤلِّف ﵀ رسالته بذكر جملة من الأحاديث الواردة في فضل التوحيد وخَصَّ منها الأحاديث الدالة على أن من شهد شهادة التوحيد فإنه يدخل الجنة أو يحرم على النار.
ثم بعد هذا انتقل للكلام على هذه الأحاديث، فقَسَّمَها إلى نوعين:
أحدهما: الأحاديث التي فيها أنَّ مَنْ أتى بالشهادتين دخل الجنة ولم يحجب عنها، ثم ذكر أن هذا النوع من الأحاديث ظاهرٌ لا إشكال فيه؛ لأنه ليس فيها نفي أنَّه يُعذَّب على قدر ذنوبه، إنما فيها الإخبار بدخول الجنة فحسب، والمؤمن الموحِّدُ -وإن عُذِّبَ- فمآله إلى الجنَّة؛ لأنَّ النَّار لا يُخلَّدُ فيها أحدٌ من أهلِ التوحيدِ الخالِصِ.
[ ٢٠ ]
والثاني: الأحاديث التي فيها أنَّ مَنْ أتى بالشهادتين فإنه يُحرَّم على النَّار، وهذا النوع من الأحاديث هو موطن الإشكال؛ لأنه قد دلت النصوص الأخرى على دخول بعضِ عُصَاة الموحِّدِين النَّارَ، ثم أفاض ﵀ في ذكر أجوبة أهل العلم على هذا، فذكر منها أربعة، ورجَّح قولَ مَنْ قال: بأنَّ المرادَ من هذه الأحاديث أنَّ «لا إله إلا اللَّه» سببٌ لدخول الجنَّة والنَّجَاةِ من النَّارِ ومقتضٍ لذلك، ولكن المقتضي لا يعمَل عمَلَه إلا باستجماعِ شروطِه وانتفاءِ موانِعِه، فقد يتخلَّف عنه مقتضَاه لفواتِ شرطٍ من شروطِه أو لوجودِ مانعٍ، ثم قال: «وهذا هو الأظهر».
وهناك جوابٌ آخر أورده ابن رجب وظاهر صنيعه أنه يختاره ويرتضيه أيضًا، وهو قول طائفة من أهل العلم أنَّ تلك النصوص المطلقة قد جاءت مقيَّدة في أحاديث أخر، والتي تفيد بأن ذلك الثواب إنما هو لمن يقولها بصدق وإخلاص ومحبة ويقين ونحو ذلك.
ثم استطرد ﵀ بكلامٍ طويلٍ نفيسٍ في التدليل والتعليل على صحة هذين الجوابين، وكان مما قال: «وتحقيقُ هذا المعنى وإيضَاحُه أنَّ قولَ العبدِ: «لا إله إلا اللَّه»، يقتضي أن لا إله له غير اللَّه، و«الإله» هو الذي يُطَاعُ فلا يُعصَى؛ هيبةً له وإِجلالًا، ومحبةً، وخوفًا، ورجاءً، وتوكلًا عليه، وسؤالًا منه، ودعاءً له، ولا يَصْلُحُ ذلك كلُّه إلا للَّه ﷿.
فمن أشرَكَ مخلوقًا في شيءٍ من هذه الأمور التي هي من خَصَائِصِ الإِلَهِيَّة، كَانَ ذَلكَ قَدْحًا في إِخلَاصِه في قَولِ: لا إله إلا اللَّه، ونَقصًا في
[ ٢١ ]
توحِيدِهِ، وكانَ فيه من عُبُودِيَّةِ ذلك المخلُوقِ بحسْبِ ما فِيهِ مِنْ ذَلكَ، وهذا كُلُّه من فُرُوعِ الشِّرْكِ».
ثم تكلم عن محبَّة اللَّه ﷿، وذكر أنَّ المحبَّة متى تَمَكَّنَت من القَلبِ لم تَنبَعِث الجَوَارِحُ إلَّا إِلى طَاعَةِ الرَّبِّ ﷿.
ثم تكلَّم عن الصِّدق في قول: «لا إله إلا اللَّه»، وذكر أنَّ «مَنْ دَخَلَ النَّارَ مِنْ أَهلِ هَذِه الكَلِمَةِ فَلِقِلَّةِ صِدقِهِ فِي قَولِهَا، فَإِنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ إِذَا صَدَقَت طَهَّرَت القَلبَ مِنْ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ، وَمَتَى بَقِيَ فِي القَلبِ أَثَرٌ لِسِوَى اللَّهِ فَمِنْ قِلَّةِ الصِّدقِ فِي قَولِهَا.
مَنْ صَدَقَ فِي قَولِهِ «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» لَم يُحِبَّ سِوَاهُ، لَم يَرْجُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَم يَخْشَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ، لَم يَتَوَكَّل إِلَّا عَلَى اللَّهِ، لَم يُبقِ لَهُ بَقِيَّةً مِنْ آثَارِ نَفسِهِ وَهَوَاهُ».
ثم ختم المؤلِّف رسالته بفصلٍ ذكر فيه جملةً وافرةً من فضائل كلمة التوحيد، ثم ختم هذا الفصل بالحثِّ على تحقيق التوحيد والتمسك بأصل الدين؛ لأنه -كما يقول- «لا يوصل إلى اللَّه سواه، ولا ينجي من عذاب اللَّه إلا إياه».
هذا تفصيلٌ مجمَلٌ لما اشتملت عليه هذه الرِّسالة المباركة من موضوعات.
وهذه الرسالة على صغر جحمها وقلة عدد أوراقها إلا أنَّ المؤلِّف حشد فيها من الآيات والأحاديث والأقوال والنقول شيئًا كثيرًا.
[ ٢٢ ]
وأكثر فيها من النقل عن أعلام الصوفية المتقدِّمين، أمثال الجنيد وأبي سليمان الداراني وذي النون المصري ويحيى بن معاذ ورُوَيْم وغيرهم، وساق جملة من أقوالهم في المحبة وغيرها.
* * *
[ ٢٣ ]