الإلحاد في أسماء الله تعالى
المسألة التاسعة والثلاثون
[الإِلْحَادُ فِي الأَسْمَاءِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠] .
الشرح
أهل الجاهلية يلحدون في الصفات، ويلحدون في أسماء الله ﷾، فينفونها، كما قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ والرحمن من أسمائه ﷾، وذلك أن الرسول ﷺ لمّا أراد أن يكتب الصلح بينه وبين المشركين في الحديبية، فجاء سهيل بن عمرو، فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابًا. فدعا النبي ﷺ الكاتب، فقال النبي ﷺ: "بسم الله الرحمن الرحيم"، قال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو ١قالوا: ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة –يعنون مسيلمة؛ لأن مسيلمة تسمّى بالرحمن -،فأنزل الله تعالى:
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (رقم ٢٧٣١، ٢٧٣٢) .
[ ١٤٥ ]
﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد:٣٠] .
وكذلك لما كان النبي ﷺ في مكة، وكان يصلي ويدعو ويقول: يا ألله، يا رحمن. قال المشركون: انظروا إلى هذا الرجل، يزعم أنه يعبد إلهًا واحدًا، وهو يقول: يا ألله، يا رحمن، يعبد إلهين. فأنزل الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ﴾ [الإسراء: ١١٠] فأسماء الله كثيرة، وتعدد الأسماء لا يدل على تعدد المسمى، وإنما يدل على عظمة هذا المسمى الذي تعددت أسماؤه.
فالشاهد: أن المشركين ينكرون أسماء الله، فمن نفى أسماء الله من الفرق الضالة كالجهمية، أو نفى معانيها وأثبت ألفاظها كالمعتزلة أو نفي بعض الصفات وأثبت بعضها كالأشاعرة، فإنه يكون وارثًا لأهل الجاهلية. وقد قال الله تعالى مثبتًا أسماءه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [لأعراف: ١٨٠]، وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه:٨]، وقال الله تعالى: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، والنبي ﷺ يقول: "أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به
[ ١٤٦ ]
في علم الغيب عندك" ١، فأسماء الله كثيرة، منها ما أنزله في كتابه، وهذا كثير في القرآن، الرحمن، الرحيم، العزيز، الحكيم، الرؤوف، التواب، الغفار
وفي آخر سورة الحشر ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر: ٢٢،٢٤] .
فيجب الإيمان بأسماء الله ﷾، وقال ﷺ في الحديث الصحيح: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا، من أحصاها دخل الجنة" ٢، والأدلة على أسماء الله ﷾ كثيرة، فمن لم يؤمن بأسماء الله، فإنه لا يؤمن بالله ﷾.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد في المسند (١/٣٩١)، والحاكم (٢/١٨٩ رقم ١٩٢٠)، وابن حبان في صحيحه (٢/١٦٠ رقم ٩٦٨)، وصححه الشيخ أحمد شاكر (حديث رقم ٣٧١٢)، والألباني في الصحيحة (رقم ١٩٨) . ٢ أخرجه البخاري (رقم ٢٧٣٦)، ومسلم (رقم ٢٦٧٧) .
[ ١٤٧ ]