رميهم أهل الحق بما هم برءاء منه
المسائل الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والستون
[رميهم أهل الحق بالصفات الذميمة رميهم إياهم بالفساد في الأرض كما في الآية، وبانتقاص دين الملك وآلهته، وتبديل الدين]
الشرح
من مناهج أهل الجاهلية كذلك: أنهم لا يكتفون بالشكوى إلى أصحاب القوة، والانتقام؛ بل يصفون أهل الإيمان بالمفسدين في الأرض، كما قالوا لفرعون: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٢٧] سموا الإصلاح إفسادًا. والحق هو العكس؛ أن الإيمان والتوحيد: إصلاح في الأرض، وأن الكفر والمعاصي والفسوق والظلم والطغيان: إفساد في الأرض، فالذي عليه موسى وقومه إصلاح، والذي عليه فرعون وقومه إفساد، لكنهم عكسوا الأمر، فسموا الإصلاح إفسادًا، وهذا دأب الكفار والمشركين والمنافقين دائمًا، يسمون المصلحين والدعاة إلى الله على بصيرة،
[ ١٩٦ ]
ويسمون المؤمنين الموحدين الذين يدعون إلى توحيد الله وعبادته، يسمونهم بالمفسدين في الأرض.
وهذا شيء مستمر في الناس إلى يوم القيامة، أهل الكفر والظلم والطغيان يسمون المصلحين بالمفسدين، وهذا منحدر من القرون الأولى من وقت فرعون وقومه، وهذا لا يضر أهل الإيمان، ولا يضر أهل الإصلاح، وإن لُقِّبوا بما لُقِّبوا، فكم لقبوا أهل الحق والدعاة إلى الله بالشناعات، لقبوا شيخ الإسلام ابن تيمية بألقاب شنيعة، ولقبوا الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بألقاب شنيعة، وأنه خارجي، وأنه يريد أن يغيّر عقيدة الناس، ويكفّر الناس، إلى آخر ما يقولون، مما هو موجود في كتبهم من الاتهامات والتزوير والشر وهذا موقفهم من كل مصلح.
وأما رميهم إياهم بانتقاص دين الملك، كما قال تعالى: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] الآية، وكما قال تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ [غافر: ٢٦] .
مما عليه أهل الجاهلية – ومن تشبه بهم -: وهو تحريض أصحاب السلطة على المؤمنين والدعاة إلى الله على بصيرة ومنهج سليم بأنهم يفسدون على أصحاب السلطة، دينهم وسياستهم، إذا نصحوهم وأرشدوهم إلى ما فيه صلاحهم
[ ١٩٧ ]
وصلاح ملكهم، كما قال تعالى حكاية عن آل فرعون، وما سعوا به عند فرعون من الوشاية، لما دعاه موسى ﵇ إلى عبادة الله وحده لا شريك له، التي فيها صلاحه وصلاح ملكه وصلاح رعيته، وقالوا له: إنهم سيفسدون الناس عليك، ولا يكون لك ربوبية ولا إلهية على الناس، ويحولون الناس من عبادتك إلى عبادة الله. وهذا من باب إغراء فرعون بأنه إن ترك هؤلاء فإنهم سيصرفون الناس عن عبادته وربوبيته؛ لأنه قال لهم: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، وفي الآية الأخرى: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] ففسروا دعوة الرسل بأنها إفساد في الأرض، وأن الكفر إصلاح في الأرض، وهذا من قلب الحقائق، ومن الغش للراعي والرعية، وما أكثر هذا الصنف الذي يقوم بهذه المهمة الشيطانية اليوم، ممن يقودون الناس إلى الهاوية، ويقفون في وجه المصلحين، ويزوّرون الحقائق، ويغرون بالسلطة، وهم بطانة السوء، الذين يحولون بين المسئولين وبين قبول النصيحة.
اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين، وأصلح بطانتهم، واجعلهم هداة مهتدين.
وأما رميهم بانتقاص آلهة الملك، كما في الآية.
[ ١٩٨ ]
فإن هذه المسألة تابعة لما قبلها مما ذكر الله في الآية من خبر آل فرعون، حيث قالوا له: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] يعنون: ألوهيتك على الناس وعبادتهم لك، يقولون: أنت لك شأن، ولك عظمة في الأرض، فلو تركتهم يدعون إلى الله تنقّصوك عند الناس، وأرخصوك عند الناس، فأنت بادر بالقضاء عليهم من أجل أن تبقى لك هيبتك ومكانتك. وهذا من الغش لفرعون، وتعريضه للهلاك.
ويا سبحان الله! يتنقّصون الله جل وعلا رب السموات والأرض، ولا يعيبون هذا على أنفسهم، ويعيبون على موسى وقومه إذا نصحوا فرعون وقومه، ودلوهم على طريق السعادة والنجاة، وبقاء الملك وصلاحه؟! وهكذا تفعل بطانة السوء دائمًا وأبدًا، ولهذا على الولاة أن يتخذوا البطانة الصالحة الناصحة، ويحذروا من بطانة السوء وأصحاب المبادئ الهادمة، والأفكار المنحرفة، فإنهم يقودونهم إلى الهاوية، كما حصل من بطانة فرعون، حيث أوقعوه في الهلاك والبوار، وحالوا بينه وبين قبول الحق.
وأما رميهم إياهم بتبديل الدين، كما قال تعالى عن فرعون: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ
[ ١٩٩ ]
الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦] ورميهم إياهم بانتقاص دين الملك، كقولهم: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] .
فهاتان المسألتان حصلتا من فرعون في حق كليم الله موسى ﵇ ودعوته، وتحذيره للناس من قبولها، وتظاهره بمظهر الناصح للرعية، وجاءهم عن طريقة النصيحة والمحافظة على الدين، والمحافظة على صلاح الأرض، ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦] كما قال أتباعه: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٢٧]، سموا المصلحين بالمفسدين، والفساد عندهم هو التوحيد وإفراد الله بالعبادة، والصلاح هو الشرك؛ لأن القلوب إذا فسدت رأت الحق باطلًا، والباطل حقًا.
ومن هو الذي يبدّل الدين ويُظهر في الأرض الفساد؟ إنه فرعون الذي بدّل دين التوحيد بالكفر والشرك.
أما موسى ﵊، فإنه يدعو إلى الدين الصحيح، الذي خلق الله الخلق من أجله، والذي هو صلاح في الأرض؛ لأن الأرض لا تصلح إلا بعبادة الله وحده لا شريك له، هذا هو صلاح الأرض، أما الشرك فإنه فساد في الأرض، والكفر فساد في الأرض، والمعاصي فساد في الأرض.
[ ٢٠٠ ]