اتخاذهم الدين لهوًا ولعبًا
المسألة الثانية والعشرون
[إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا] .
الشرح
اللهو هو: كل باطل يُلهي عن الحق، واللعب هو ضد الجد، وهو ما لا فائدة فيه. فاتخاذ اللهو واللعب دينًا يتقرب به إلى الله ﷿ هو من دين الجاهلية، وهذا موجود عند الصوفية، فيتخذون ضرب الدفوف، ويتخذون الأغاني عبادة لله ﷿، يتقربون إلى الله بالأغاني، ويتقربون إلى الله بضرب الدفوف.
والأغاني وآلاتها لهو ولعب، وهي محرمة في حد ذاتها، فكيف إذا اتُخذت عبادة لله ﷿؟
ويشبههم الآن الذين يتخذون الأناشيد التي يسمونها الإسلامية، ويجعلونها من وسائل الدعوة إلى الله، كما يقولون. والدعوة إلى الله ﷿ من الدين، ولا يدخل فيها شيء من الأغاني ومن الأنغام والتنغيمات التي تلهي النفوس،
[ ١٠٦ ]
وتشغل الناس عن ذكر الله وعن قراءة القرآن، وهي من شعارات المناهج الحزبية، وليست من وسائل الدعوة؛ لأن الدعوة توقيفية، والنبي ﷺ كان يدعو الناس بالكتاب والسنة، والوعظ والإرشاد، والمجادلة بالتي هي أحسن، ولم يتخذ الأناشيد الجماعية وسيلة للدعوة.
وإنشاد الشعر الجيد النزيه؛ للرد على المشركين والدفاع عن الإسلام، كشعر حسان ﵁، أو للتنشيط على العمل والسير في السفر، ليس ذلك شبيهًا بالأناشيد الجماعية المستعملة الآن، فلا تُقاس عليه؛ لما بينهما من الفارق الواضح.
[ ١٠٧ ]
الاغترار بالدنيا
المسألة الثالثة والعشرون
[إِنَّ الحَيَاةَ الدُّنْيَا غَرَّتْهُمْ، فَظَنُّوا أَنَّ عَطَاءَ اللهِ مِنْهَا يَدُلُّ عَلَى رِضَاه، كَقَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٥] .
الشرح
أهل الجاهلية يعتبرون إعطاءهم الأولاد والأموال من كرمهم على الله ﷿، وأن الله لا يعذبهم ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ [سبأ: ٣٥،٣٧] إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩] فليست كثرة الأموال والأولاد والثورة دليلًا على محبة الله للعبد، بل إنه قد يعطي الكافر من أجل أن يستدرجه، وفي الحديث: "إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، وأما الدين فلا يعطيه إلا
[ ١٠٨ ]
من يحب" ١، وفي الحديث الآخر: "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرًا شربة ماء" ٢.
وهذا رسول الله ﷺ، أكرم الخلق على الله، وكذلك صحابته، يصيبهم الفقر والفاقة، وهم أكرم الخلق على الله بعد النبيين، والكفار يسرحون ويمرحون في النعم على الله بعد النبيين، والكفار يسرحون ويمرحون في النعم من باب الاستدراج لهم.
فلا يستدّل بزهرة الدنيا على كرامة أهلها عند الله ﷾، وإنما يستدل بكرامة العبد على الله إذا كان على عمل صالح، سواء كان غنيًّا أو فقيرًا، فهذا هو الكريم على الله ﷾، ومعايير الناس أن أهل الدنيا وأهل الغناء والثروة هم أكرم عند الله ﷿، وأن أهل الفقر وأهل الفاقة إنما كانوا كذلك لهوانهم على الله.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد ١/٣٨٧، والحاكم ١/١٩٣ رقم ١٠٢، ٥/٢٣٠ رقم ٧٣٨١. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ٢ أخرجه الترمذي ٤/٥٦٠ رقم ٢٣٢٥، وقال أبو عيسى: هذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه. والحديث صححه الألباني في صحيح الجامع رقم ٥٢٩٢.
[ ١٠٩ ]