تَقَرُّبَهم إلى الله بفعل المحرم
المسألة الخامسة والثلاثون
[التَّعَبُّدُ بِكَشْفِ العَوْرَات، كقوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: ٢٨] .
الشرح
يتعبد أهل الجاهلية بكشف العورات في الطواف؛ لأن الشيطان زين لهم أن من لم يكن من أهل الحرم، وجاء من الآفاق، فإنه لا يدخل الحرم بثيابه التي جاء بها؛ لأنه عصى الله فيها، فإن وجد من أهل الحرم من يعطيه ثوبًا ليلبسه ويطوف به، وإلا فإنه يخلع ثيابه عند حدود الحرم، ويدخل عريانًا، كذا زين لهم الشيطان، حينما فعلوا هذه الفاحشة قالوا: وجدنا عليها آباءنا ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: ٢٨] .
فانظروا كيف سمى كشف العورة: فاحشة، وهي: ما تناهى قبحه. وكثير من الناس في هذا الزمان يعتبرونه رقيًّا وتحضرًا!
[ ١٣٦ ]
ثم رد الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨] أي: لا يشرع لعباده كشف العورات، وإنما شرع لهم سترها؛ لما في ذلك من البعد عن الفتنة، وعدم الوقوع في الجرائم الخلقية، وقد كذبوا على الله وقالوا عليه بغير علم، فاحتجوا بحجتين باطلتين، إحداهما أبطل من الأخرى:
الأولى: ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ [الأعراف: ٢٨] والثانية أعظم وأخطر ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾، كذبوا على الله ﷾، فرد عليهم سبحانه بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨] والقول على الله بلا علم جريمة خطيرة جدًا.
ثم بيّن سبحانه ما نهى عنه فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣] الفواحش جمع فاحشة، وهي: المعصية المتناهية في القبح، ومنها كشف العورة، ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ علانية أمام الناس، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ ما فعله الإنسان خفية بينه وبين الله.
﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [الأعراف: ٣٣] يعني: حجة، فالله ما أنزل لأهل الشرك حجة أبدًا، إنما أنزل الحجة على التوحيد. أما الشرك فالله نهى عنه ﷾.
﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] القول على
[ ١٣٧ ]
الله بلا علم أعظم من الشرك، ومن ذلك: قولهم؛ الله أمرنا بكشف العورات. فليحذر الذين يقولون: هذا حلال وهذا حرام، بدون دليل من كتاب الله وسنة رسوله.
إلى أن قال ﷾: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ يعني: استروا عوراتكم ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] يعني: عند كل صلاة، ومنها الطواف بالبيت.
الشاهد: أن أهل الجاهلية يتقربون إلى الله بكشف العورات، ويعدونه عبادة لله، فهذا من أفحش الكذب والزور، والعياذ بالله. ومنه نأخذ تحريم كشف العورات مطلقًا إلا لضرورة، كالعلاج الضروري، أو ما بين الزوجين بعضهما مع بعض، وكشف العورة في غير هاتين الحالتين حرام شديد التحريم؛ لأنه يجر إلى الفاحشة والوقوع في الجريمة، والشيطان عرف أن العري يجر إلى الزنا واللواط؛ فلذلك رغب الناس في كشف العورات، وسمى هذا تقدمًا وحضارة ورقيًا، ونفَّر من الستر واللباس المحتشم، وقال: هذا تأخر ورجعية وتقاليد بالية.
وما يقال عن الحجاب الآن، والتزهيد فيه، والتمسخر من أهله شيء معروف في الصحف والمجلات والمجالس وغير ذلك، لكن هذا لا يضر أهل الإيمان إذا تمسكوا بدينهم.
٩٠
[ ١٣٨ ]