نسبتهم الحوادث إلى الدهر ومسبتهم له
المسألة السادسة والأربعون
[مَسَبَّة الدَّهرِ، كقولهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] .
الشرح
الذين ينسبون الحوادث إلى الدهر هم الدهرية، وذلك أنهم إذا حلّ بهم مكروه فإنهم ينسبونه إلى الدهر، ويذمون الدهر من أجل ذلك. والواجب أن تنسب الأشياء إلى الخالق ﷾، والدهر إنما هو وقت مخلوق من مخلوقات الله، ليس عنده تصرف، وقد أنكر الله سبحانه على من يسند الحوادث إلى الدهر بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] لأن هذا إنكار للآخرة وإنكار للبعث، ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ يموت ناس ويحيا ناس، ويقولون: رحم تدفع وأرض تبلع، ويقولون: هذه طبيعة الحياة، ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ ينسبون الهلاك إلى الدهر، فسبب الموت عندهم مرور الليالي والأيام، وليس هناك آجال
[ ١٦٣ ]
مقدرة، ولا هناك مَلَك يقبض الأرواح عند انتهاء آجالها.
وقد نهى النبي ﷺ عن سب الدهر فقال: "لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر" ١ يعني: أن الله خالق الدهر، وأنَّ ما يجري في الدهر هو بتقدير الله، وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: "يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار" ٢، فإذا سببت الدهر فقد سببت خالق الدهر ﷾، وهذا مما يؤذي الرب ﷾؛ لأن الذم يقع على الله؛ لأنه هو مصرِّف الأمور، ومقدِّر الآجال والمصائب وكل شيء، وأما الدهر فإنه زمان مخلوق لله ﷿.
فيجب على المسلمين أن يتجنبوا هذا، وإذا أصابهم شيء فإنهم يحاسبون أنفسهم، ويعترفون بذنوبهم ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] فينبغي أن يذم الإنسان نفسه ويلومها ولا يذم الدهر.
_________________
(١) ١ بوّب البخاري في كتاب الأدب من صحيحه بابًا وسمَّاه: باب "لا تسبوا الدهر" وأخرج فيه الحديث التالي وأخرجه مسلم (رقم ٢٢٤٦/٥) واللفظ له. ٢ أخرجه البخاري (رقم ٤٨٢٦، ٦١٨١، ٧٤٩١) ومسلم (رقم ٢٢٤٦) .
[ ١٦٤ ]