تسميتهم التوحيد شركًا
المسألة السادسة والخمسون
[تَسْمِيَةُ اتِّباع الإسلام شِرْكًا، كَمَا ذَكَرَه في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٩] الآية] .
الشرح
من مسائل أهل الجاهلية: تسمية التوحيد واتباع الحق: شركًا، وهذا من قلب الحقائق، أن يسموا التوحيد شركًا؛ وهذا لانتكاس الفطر، وهذه الآية نزلت في وفد نجران من النصارى، جاءوا إلى النبي ﷺ يتفاوضون معه ﵊، فدخلوا عليه في المسجد، وأخذوا يتفاوضون معه، فالنبي ﷺ عرض عليهم الدخول في الإسلام، وبيّن لهم أن الأنبياء جميعًا أخذ عليهم الميثاق لئن بعث محمد ﷺ وأَحَدٌ منهم حيٌّ ليتبعنه، قال واحد منهم: أتريد يا محمد أن نعبدك؟ سمى اتباع الحق شركًا، وعبادة للرسول ﷺ، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ
[ ١٨٤ ]
يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ [آل عمران: ٧٩]؛ لأن الأنبياء جاءوا بالتوحيد، ولم يجيئوا بالشرك، وما جاءوا بدعوة الناس إلى عبادتهم، حاشا وكلا، بل جاؤوا بإنكار ذلك، لكن هؤلاء من تعصبهم قالوا هذه المقالة، فأنزل الله هذه الآية، ردًا عليهم.
وما أشبه الليلة بالبارحة! فهناك من يسمون إخلاص العبادة لله كفرًا، وخروجًا عن الدين، ويسمونه شركًا، ويقولون: عبادة القبور هي التوحيد، وهي الإسلام؛ لأنها توسل بالصالحين ومحبة لهم، وعندهم أن الذي لا يعبد الرسول ﷺ ولا يستغيث به، يكون مبغضًا للرسول ﷺ، ويكون جافيًا في حق الرسول ﷺ. وهذا مثل قول نصارى نجران في اتباع الرسول أنه عبادة للرسول ﷺ، وهذا امتداد لمذهب أهل الجاهلية، كُلٌ سَمَّى الحق باطلًا، والباطل حقًا، والعياذ بالله.
والجهمية والمعتزلة سموا إثبات الصفات لله ﷿ شركًا.
[ ١٨٥ ]