تركهم ما أوجب الله عليهم من باب الورع
المسألة الحادية والسبعون
[تَرْكُهُمُ الوَاجِبَ وَرَعًا] .
الشرح
أي: يتقربون إلى الله بترك الواجب، مثل الوقوف بمزدلفة، بدل الوقوف بعرفة؛ يزعمون أنه ورع؛ لأنهم أهل الحرم ولا يخرجون إلى عرفة؛ لأنها من الحل، فهم يتركون الحق تورعًا، وهذا من عمل الجاهلية، نسأل الله العافية.
وكذلك من تركهم الحق تورعًا: أنهم يطوفون بالبيت عراة، ويتركون ستر العورة –الذي هو الحق –من باب الورع، يقولون: لا نطوف بثياب عصينا الله فيها ١.
_________________
(١) ١ قال عروة: "كان الناس يطوفون في الجاهلية عراة إلا الحُمْسَ، والحُمْسَ قريش وما ولدت، وكانت الحمس يحتسبون على الناس يُعطي الرجلُ الرجلَ الثيابَ يطوف فيها وتعطي المرأةُ المرأةَ الثيابَ تطوف فيها فمن لم يعطه الحمس طاف بالبيت عريانا " أخرجه البخاري (رقم ١٦٦٥) ومسلم (رقم ١٢١٩/ ١٥٢) وأخرجه البخاري في كتاب الصلاة (باب رقم ٢) وأمر النبي ﷺ أن لا يطوف بالبيت عريان. وكذا (رقم ٣٦٩) ومسلم (١٣٤٧) .
[ ٢٠٠٦ ]
وكذلك كل من ترك شيئًا من العبادة تورعًا، كمن لا يتصدق ولا يصلي مع الجماعة في المسجد، خشية الرياء والسمعة –كما سمعنا عن بعضهم- أو لا يطلب العلم، أو غير ذلك من ترك العبادات خشية الرياء.
[ ٢٠٠٧ ]
تقربهم إلى الله بترك الطيبات من الرزق وبترك الزينة
المسألتان الثانية والثالثة والسبعون
[تَعَبُّدُهُمْ بِتَرْكِ الطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ، وَتَرْكِ الزِّينَةِ فِي اللِّبَاسِ] .
الشرح
أي: تقربهم إلى الله بترك الطيبات من الرزق، وترك لباس الزينة، وهذا عند النصارى ومن شابههم من الصوفية المنتسبين للإسلام، يتركون الطيبات تعبدًا لله ﷿، فلا يتزوجون النساء، ولا يأكلون من الطيبات، ويتقشفون في المآكل والمشارب والملابس، يزعمون أن هذا عبادة لله؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] .
وكذلك حرّموا بعض بهيمة الأنعام. والله قد أباح بهيمة الأنعام، فقال: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١]، فحرموا
[ ٢٠٠٨ ]
بعض بهيمة الأنعام من أجل أصنامهم، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة:٨٧] .
فتحريم الطيبات من دين النصارى الرهبان، ومن دين الجاهلية. ومن حرّم حلالًا مجمعًا على حِلِّه ارتد عن دين الإسلام، فإذا أضاف إلى ذلك اعتبار هذا من التعبد لله ﷿، فهذا افتراء على الله؛ لأن الله لم يشرع لعباده ترك الطيبات بل أمرهم بالأكل منها ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١] . ولما هَمَّ جماعة في عهد النبي ﷺ بمثل هذا، غضب عليهم النبي ﷺ.
وأما تعبدهم بترك زينة الله: أي: تقربهم إلى الله بترك زينة الله، أي التزين باللباس، حيث كانوا يطوفون بالبيت عراة، فرد الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] أي: ما هو دليلكم على ما تفعلون من ترك اللباس والتجمل وترك الطيبات من الرزق؟ لأن التحريم يحتاج إلى دليل، والأصل في اللباس والمآكل والمشارب الحل؛ لأن الله خلق هذه الأشياء لعباده، وكما في الحديث الصحيح: "إن الله جميل يحب الجمال" ١، فترك التجمل من باب الورع ليس من دين
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم (رقم ٩١/ ١٤٧) .
[ ٢٠٠٩ ]