استنفار الملوك ضد أهل الحق
المسألة الثانية والستون
[كَوْنُهُم إذَا غُلِبُوا بالحُجَّةِ، فَزَعُوا إلى الشَّكْوى للمُلوك، كما قالوا: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٢٧]
الشرح
من مسائل أهل الجاهلية: أنهم كانوا إذا غلبوا بالحجة، لجأوا إلى الشكوى إلى السلطان، ومعنى "غلبوا بالحجة" أي: أقيمت عليهم الحجة، على بطلان ما هم عليه، ولم يكن لهم حجة يقاومون بها، فإنهم يلجأون إلى القوة لمنع القائم بالحق، كما قال فرعون لموسى ﵇ ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] لما لم يكن عنده حجة يرد بها على نبي الله، لجأ إلى قوة السلطان فقال: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]، وهذه طريقة المهزومين، وكذلك آل فرعون وهم أتباعه، لما انتصر عليهم موسى ﵇ في المحفل العظيم الذي عقدوه، وجمع
[ ١٩٣ ]
فرعون السحرة من مشارق الأرض ومغاربها؛ لأجل أن يبطل ما مع موسى من الآيات؛ لأنه يزعم أنه ساحر، فجمع السحرة، وطلب من موسى تحديد الموعد، من أجل عرض ما معه وما مع السحرة، من أجل أن يموّه على الناس أن عنده ما يقاوم ما مع موسى من المعجزة.
فلما حان الموعد واجتمع الناس من أجل مشاهدة ما يحصل، وألقى السحرة ما معهم من السحر، وامتلأ الوادي من سحرهم، وما معهم من العصي والحبال التي حشوها بالزئبق، وبمواد تحركها كأنها حيات، يريدون أن يضاهئوا ما مع موسى من المعجزة، وهي الحية التي تتحول من العصا التي معه، فجاؤوا بسحر عظيم، كما قال الله تعالى، حتى إن موسى ﵇ خاف ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه: ٦٧] خاف أن يلبّسوا على الناس، وإلا فهو واثق بما معه، واثق بنصر الله، لكنه خاف أن يلبّسوا على الناس؛ لأنهم خافوا أن تصل إليهم، وعند ذلك: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
[ ١٩٤ ]
فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف: ١١٨-١٢٢]؛ لأنهم عرفوا أن ما مع موسى ليس سحرًا، فلما آمن السحرة وسجدوا لله ﷿، هددهم فرعون بالقتل والصلب، فقتل السحرة الذين آمنوا وتابوا إلى الله، وصلبهم.
ثم التفتوا إلى بني إسرائيل الذين آمنوا بموسى وقالوا لفرعون ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٧-١٢٨] .
الشاهد من هذا: أنهم طلبوا منه اللجوء إلى القوة، واشتكوا إلى فرعون ليقهر هذا الحق وهذا الإيمان وهذا فعل أشباههم في كل زمان ومكان.
[ ١٩٥ ]