الْإِخْلَاص: لُغَة: مصدر أخْلص يخلص. وَهُوَ يرد لمعانٍ. مِنْهَا: تنقية الشَّيْء وتهذيبه. تَقول: أخلصت السّمن: أَي جعلته خَالِصا. وأخلص لله دينه: أمحضه وَترك الرِّيَاء فِيهِ. فَهُوَ عبد مخلص. وأخلص الشَّيْء: اخْتَارَهُ.
[ ٤٢٦ ]
وَقُرِئَ: ﴿إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ ١ بِكَسْر اللَّام وَفتحهَا - قَالَ ثَعْلَب: يَعْنِي بالمخلِصين: الَّذين أَخْلصُوا الْعِبَادَة لله تَعَالَى، وبالمخلَصين: الَّذين أخلصهم الله ﷿.
وَقَالَ الزّجاج فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا ﴾ الْآيَة٢وَقُرِئَ: مخلِصًا. والمخلَص: الَّذِي جعله الله مُخْتَارًا خَالِصا من الدنس. والمخلِص: الَّذِي وحد الله تَعَالَى خَاصّا. وَلذَلِك قيل لسورة قل هُوَ الله أحد سُورَة الْإِخْلَاص. قَالَ ابْن الْأَثِير: سميت بذلك لِأَنَّهَا خَالِصَة فِي صفة الله تَعَالَى وتقدس. أَو لِأَن اللافظ بهَا قد أخْلص التَّوْحِيد لله ﷿. وَسميت كَذَلِك - لَا إِلَه إِلَّا الله - كلمة الْإِخْلَاص لِأَن اللافظ بهَا قد أخْلص التَّوْحِيد لله ﷿.٣
وَحَقِيقَة الْإِخْلَاص: هُوَ تصفية الْعَمَل لله بالتبري من دونه.٤
قَالَ الْغَزالِيّ - فِي بَيَان حَقِيقَة الْإِخْلَاص -: "اعْلَم أَن كل شَيْء يتصّور أَن يشوبه غَيره فَإِذا صفا عَن شوبه وخلص عَنهُ سمي خَالِصا، وَيُسمى الْفِعْل الْمُصَفّى: المخلص. والتصفية إخلاصًا. قَالَ تَعَالَى: ﴿ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ ٥ وَالْإِخْلَاص يضاده الْإِشْرَاك فمهما كَانَ الْبَاعِث وَاحِدًا على التجرد سمي الْفِعْل الصَّادِر عَنهُ إخلاصًا وَلَكِن الْعَادة جَارِيَة بتخصيص اسْم الْإِخْلَاص بتجريد قصد التَّقَرُّب إِلَى الله تَعَالَى عَن جَمِيع الشوائب ".٦
_________________
(١) آيَة ٨٣ ص.
(٢) آيَة ٥١ مَرْيَم.
(٣) انْظُر: لِسَان الْعَرَب مَادَّة خلص جـ٢٨ ص ٢٦ - ٢٨ ومعجم مقاييس اللُّغَة مَادَّة خلص ج٢ص٢٠٨ والصحاح للجوهري مَادَّة خلص ج٣ ص ٣٣ ١٠ وتاج الْعَرُوس مَادَّة خلص ج٤ ص ٣٨٩ - ٣٩٠.
(٤) انْظُر تَاج الْعَرُوس ج٤ص٣٩٠.
(٥) آيَة ٦٦ النَّحْل.
(٦) الْإِحْيَاء ج٤ ص ٣٧٩.
[ ٤٢٧ ]
فَمن لم يخلص الْعِبَادَة لله تَعَالَى بِأَن أَرَادَ بهَا الرِّيَاء أَو السمعة أَو الدُّنْيَا أَو نَحْوهَا لم يُحَقّق الشَّهَادَة لانْتِفَاء شَرط الْإِخْلَاص١. قَالَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تيميه: "وأصل الْإِسْلَام أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله فَمن طلب بِعِبَادَتِهِ الرِّيَاء والسمعة فَلم يُحَقّق شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله " ٢ لِأَنَّهُ لم يخلص فِي مقتضاها.
وَإِلَيْك بعض الْأَدِلَّة من الْكتاب وَالسّنة الَّتِي تُشِير إِلَى هَذَا الشَّرْط:
فَمن الْكتاب: قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ﴾ الْآيَة ٣.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ ٤.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ﴾ الآَية ٥.
وَمن السّنة مَا يضيق عَنهُ الْمقَام. مِنْهَا: مَا يَلِي:
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: "قَالَ الله تَعَالَى: أَنا أغْنى الشُّرَكَاء من عمل عملا أشرك فِيهِ معي غَيْرِي تركته وشركه " ٦.
وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قيل يَا رَسُول الله من أسعد النَّاس بشفاعتك يَوْم الْقِيَامَة؟ فَقَالَ ﷺ: "لقد ظَنَنْت يَا أَبَا هُرَيْرَة أَن لَا يسْأَل عَن هَذَا الحَدِيث أحد أوَّل مِنْك لما رَأَيْت من حرصك على الحَدِيث. أسعد النَّاس بشفاعتي يَوْم الْقِيَامَة من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله خَالِصا من قلبه ". وَفِي رِوَايَة
_________________
(١) انْظُر: فتح الْمجِيد ص ٣٨ وَالْكَلَام الْمُنْتَقى ص٣٠.
(٢) الْفَتَاوَى ج١١ ص٦١٧.
(٣) آيَة ٢ - ٣ الزمر.
(٤) آيَة ١٤ الزمر.
(٥) آيَة ٥ الْبَيِّنَة.
(٦) رَوَاهُ مُسلم فِي الزّهْد بَاب تَحْرِيم الرِّيَاء ج١٨ ص ١١٥.
[ ٤٢٨ ]
"خَالِصَة من قلبه " ١.
وَعَن عتْبَان بن مَالك ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "الله حرم على النَّار من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله يَبْتَغِي بذلك وَجه الله ﷿ " ٢.
وَعَن ابْن عمر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " إِنِّي لأرجو أَلا يَمُوت أحد يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله مخلصا من قلبه فيعذبه الله ﷿ " ٣.
وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ: "مَا قَالَ عبد لَا إِلَه إِلَّا الله مخلصًا من قلبه، إِلَّا فتحت لَهُ أَبْوَاب السَّمَاء حَتَّى تُفْضِي إِلَى الْعَرْش مَا اجْتنب الْكَبَائِر" ٤.
وَعَن معَاذ ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " من شهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله مخلصًا من قلبه دخل الْجنَّة".٥
وَعَن أنس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "لَا إِلَه إِلَّا الله كلمة عَظِيمَة كَرِيمَة على الله تَعَالَى من قَالَهَا مخلصا ستوجب الْجنَّة وَمن قَالَهَا كَاذِبًا عصمت مَاله وَدَمه وَكَانَ مصيره إِلَى النَّار".٦
وَالْمرَاد هُنَا: الْإِخْلَاص فِيمَا تَقْتَضِيه لَا إِلَه إِلَّا الله من الْعُبُودِيَّة لله وَحده لَا شريك لَهُ.
_________________
(١) رَوَاهُ البُخَارِيّ وَكتاب الْعلم بَاب الْحِرْص على الحَدِيث ج١ ص ١٩٣، وَأحمد فِي مُسْنده ج٢ص ٣٧٣.
(٢) رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي الرقَاق بَاب الْعَمَل الَّذِي يبتغى بِهِ وَجه الله ج١١ ص ٢٤١، وَمُسلم فِي كتاب الْمَسَاجِد ومواضع الصَّلَاة بَاب الرُّخْصَة فِي التَّخَلُّف عَن الْجَمَاعَة لعذر جـ٥ ص١٦٠.
(٣) رَوَاهُ الديلمي والخطيب عَن ابْن عمر. كنز الْعمَّال ج١ ص٥١ - ٥٢، وَالْجَامِع الْكَبِير للسيوطي ج١ ص٣١٠.
(٤) أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي كتاب الدَّعْوَات بَاب رقم ١٢٧ برقم٠ ٩ ٣٥ بِإِسْنَاد حسن وَانْظُر: جَامع الْأُصُول ج٤ ص ٣٩ (الْمَتْن والحاشية)
(٥) رَوَاهُ بن حبَان فِي صَحِيحه. صَحِيح ابْن حبَان ج١ ص٣٦٧ (الْمَتْن والحاشية) .
(٦) رَوَاهُ ابْن النجار عَن دِينَار عَن أنس. كنز الْعمَّال ج١ ص ٦٢، وَالْجَامِع الْكَبِير للسيوطي ج١ص٨٧٥.
[ ٤٢٩ ]
هَذِه بعض الْأَدِلَّة من الْكتاب وَالسّنة الَّتِي توكد شَرْطِيَّة الْإِخْلَاص وأهميته. بل هُوَ حَقِيقَة الْإِسْلَام. قَالَ شيخ الْإِسْلَام: "وَأما الْإِخْلَاص فَهُوَ حَقِيقَة الْإِسْلَام إِذْ "الْإِسْلَام " هُوَ الاستسلام لله لَا لغيره كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ ﴾ ١ فَمن لم يستسلم لله فقد استكبر، وَمن استسلم لله وَلغيره فقد أشرك وكل من الْكبر والشرك ضد الْإِسْلَام، وَالْإِسْلَام ضد الشّرك وَالْكبر" ٢.
وَمن هُنَا يتَبَيَّن لنا أَنه لَا ينْتَفع قائلوا الشَّهَادَة - وَإِن كَانُوا عَالمين بمعناها علما يَقِينا إِلَّا إِذا كَانُوا مُخلصين فِي عِبَادَتهم لله وَحده. والمخلصون هم: الَّذين كَانَت أَعْمَالهم كلهَا لله - سَوَاء كَانَت قلبية أَو قوليه أَو عملية - لله وَحده لَا شريك لَهُ لَا يُرِيدُونَ بهَا من النَّاس جَزَاء وَلَا شكُورًا وَلَا ابْتِغَاء الجاه عِنْدهم، وَلَا طلب المحمودة والمنزلة فِي قُلُوبهم، وَلَا هربًا من ذمهم٣.
فلابد من الْإِخْلَاص لله تَعَالَى فِي جَمِيع أَنْوَاع الْعِبَادَة، وَهُوَ مَا تَقْتَضِيه شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله قَالَ الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن حسن فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٤: "إِنَّه ربكُم وخالقكم وَمن قبلكُمْ وأسبغ عَلَيْكُم نعمه ظَاهِرَة وباطنة فَلَا ترغبوا عَنهُ إِلَى غَيره بل أَخْلصُوا لَهُ الْعِبَادَة بِجَمِيعِ أَنْوَاعهَا فِيمَا تطلبونه من قَلِيل أَو كثير" ٥
وَلم يُحَقّق الْإِخْلَاص لله تَعَالَى من دَعَا غَيره وَإِن كَانَ نَبيا أَو صَالحا أَو ملكا أَو استشفع بجاههم أَو ذاتهم إِلَى الله تَعَالَى فِي طلب خير أَو كشف ضرّ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ
_________________
(١) آيَة ٢٩ الزمر.
(٢) الْفَتَاوَى ج١٠ص٨٣.
(٣) انْظُر: مدارج السالكين ج١ ص٨٣.
(٤) آيَة ٢٢ الْبَقَرَة.
(٥) قُرَّة عُيُون الْمُوَحِّدين ومجموعة التَّوْحِيد ص ٣٠ - ١ ٣.
[ ٤٣٠ ]
رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ ١.
كَذَلِك لم يُحَقّق الْإِخْلَاص لله تَعَالَى من أطَاع غَيره وَغير رَسُوله فِي تَحْلِيل مَا حرم الله أَو تَحْرِيم مَا أحل الله عَن رضَا وطمأنينة قلب - قَالَ تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢ أَي اتَّبَعُوهُمْ فِي تَحْلِيل مَا حرم الله وَتَحْرِيم مَا أحل الله. فَسرهَا بذلك الرَّسُول ﷺ وَالصَّحَابَة من بعده ٣.
هَذَا: هُوَ الْإِخْلَاص الْمُشْتَرط فِي الشَّهَادَة، فَالْعَمَل لَا يقبل إِذا لم يكن خَالِصا وَإِن كَانَ صَوَابا. قَالَ الفضيل بن عِيَاض: فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ الْآيَة ٤. قَالَ: "أخلصه وأصوبه. قَالُوا: يَا أَبَا عَليّ مَا أخلصه وأصوبه؟ قَالَ: إِن الْعَمَل إِذا كَانَ خَالِصا وَلم يكن صَوَابا لم يقبل، وَإِذا كَانَ صَوَابا وَلم يكن خَالِصا لم يقبل، حَتَّى يكون خَالِصا صَوَابا. والخالص: أَن يكون لله. وَالصَّوَاب: أَن يكون على السّنة. وَذَلِكَ تَحْقِيق قَوْله تَعَالَى: ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ٥ ٦.
_________________
(١) آيَة ٥٦ - ٥٧ الْإِسْرَاء.
(٢) آيَة٣١ التَّوْبَة.
(٣) انْظُر تَفْسِير ابْن كثير ج٢ ص٣٤٨ - ٣٤٩.
(٤) آيَة ٢ الْملك.
(٥) آيَة ١١٠ الْكَهْف.
(٦) انْظُر مَجْمُوع الْفَتَاوَى شيخ الْإِسْلَام ج١ ص٣٣٣.
[ ٤٣١ ]