الشَّرْط الثَّانِي: الْيَقِين.
الْيَقِين: لُغَة: هُوَ زَوَال الشَّك، وَتَحْقِيق الْأَمر، وَالْعلم بِهِ.
وَهُوَ: نقيض الشَّك - كَمَا أَن الْعلم نقيض الْجَهْل.
[ ٤٢٣ ]
وَالْمَوْت: كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ ١.
وَرُبمَا عبروا بِالظَّنِّ عَن الْيَقِين وباليقين عَن الظَّن - قَالَ: أَبُو سِدْرَة الْأَسدي وَيُقَال الهُجَيْمِي:
تحسب هواس وأيقن أنني بهَا مقتد من وَاحِد لَا أغامره
يَقُول: تشمم الْأسد نَاقَتي يظنّ أنني أفتدي بهَا مِنْهُ واستحمي نَفسِي فأتركها لَهُ وَلَا أقتحم المهالك بمقاتلته.
وَحقّ الْيَقِين - كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى -: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ ٢ هُوَ خالصه وأصحه ٣.
وَفِي الِاصْطِلَاح: اعْتِقَاد الشَّيْء بِأَنَّهُ كَذَا مَعَ اعْتِقَاد أَنه لَا يُمكن إِلَّا كَذَا مطابقًا للْوَاقِع غير مُمكن الزَّوَال ٤.
وَالْمرَاد هُنَا: أَن يكون قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله مُسْتَيْقنًا قلبه بمدلول هَذِه الْكَلِمَة يَقِينا جَازِمًا منافيًا للشَّكّ.
فَمن قَالَهَا وهوشاك فِي شَيْء مِمَّا دلّت عَلَيْهِ من مَعْنَاهَا لم يتَحَقَّق لَدَيْهِ هَذَا الشَّرْط ٥
والأدلة على ذَلِك كَثِيرَة من الْكتاب وَالسّنة.
فَمن الْكتاب: قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ٦ فالآية تدل على أَن من شُرُوط صدق إِيمَان الْمُؤمنِينَ بِاللَّه وَرَسُوله الَّذِي هُوَ معنى
_________________
(١) آيَة ٩٩ سُورَة الْحَشْر.
(٢) آيَة ٣١ سُورَة الحاقة.
(٣) انْظُر: لِسَان الْعَرَب مَادَّة يقن جـ٣ ص ١٠١٥، ومعجم متن اللُّغَة مَادَّة يقن جـ٥ ص ٨٣٨ والصحاح للجوهري مَادَّة يقن جـ٦ص ٢٢١٩.
(٤) انْظُر: التعريفات للجرجاني ص ٢٨٠.
(٥) انْظُر: بَيَان مسَائِل الْكفْر وَالْإِيمَان ص ١٦٣ - ١٦٤، والكواشف الجلية ص ٢١ وَفتح الْمجِيد ص ٣٥.
(٦) آيَة ٤٩ سُورَة الحجرات.
[ ٤٢٤ ]
الشَّهَادَة كَونهم متيقنين بهَا لم يرتابوا - أَي لم يشكوا - فَمن ارتاب فَلَيْسَ بِمُؤْمِن بل هُوَ من الْمُنَافِقين الَّذين قَالَ الله تَعَالَى فيهم: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ ١.
وَمن السّنة مَا ورد فِي الصَّحِيح عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُوله الله ﷺ: "أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُول الله لَا يلقى الله بهما عبد غير شَاك فيهمَا إِلَّا دخل الْجنَّة" ٢
وَقَوله ﷺ لأبي هُرَيْرَة: " اذْهَبْ بنعلي هَاتين فَمن لقِيت وَرَاء هَذَا الْحَائِط يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله مُسْتَيْقنًا بهَا قلبه فبشره بِالْجنَّةِ " ٣.
وَقَوله ﷺ فِيمَا رَوَاهُ معَاذ أَنه ﷺ قَالَ: "مَا من نفس تَمُوت وَهِي تشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُول الله يرجع ذَلِك إِلَى قلب موقن إِلَّا غفر الله لَهَا" ٤.
وَقَوله ﷺ فِيمَا رَوَاهُ جَابر أَنه قَالَ: " اذْهَبْ فَنَادِ فِي النَّاس أَنه من شهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله موقنا أَو مخلصًا فَلهُ الْجنَّة " ٥.
وَعَن عُثْمَان بن عَفَّان عَن عمر بن الْخطاب قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ لَهُ: "إِنِّي لأعْلم كلمة لَا يَقُولهَا عبد حَقًا من قلبه فَيَمُوت على ذَلِك إِلَّا حرمه الله على النَّار: لَا إِلَه إِلَّا الله " ٦.
فَهَذِهِ الْأَحَادِيث - كَمَا نرى - تدل صَرَاحَة على اشْتِرَاط الْيَقِين بِالشَّهَادَةِ بل
_________________
(١) آيَة ٤٣ سُورَة التَّوْبَة.
(٢) رَوَاهُ مُسلم فِي كتاب الْإِيمَان بَاب الدَّلِيل على أَن من مَاتَ على التَّوْحِيد دخل الْجنَّة قطعًاج١ ص ٢٢٤ وَأحمد فِي مُسْنده ج٣ ص ١١ وَانْظُر. كنز الْعمَّال حديت ١١٦.
(٣) رَوَاهُ مُسلم فِي كتاب الْإِيمَان بَاب أَن من مَاتَ على التَّوْحِيد دخل الْجنَّة قطعا ج١ ص ٢٣٧.
(٤) رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده ج٥ ص ٢٢٩ وَابْن حبَان وَصَحِيحه برقم ٢٠٣ ج ١ ص٣٦٩ عَن معَاذ.
(٥) رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه برقم١٥١ ص٣١٢ وَذكر السُّيُوطِيّ فِي الْجَامِع الْكَبِير جـ١ص٩٦ وَزَاد نسبته لِابْنِ خُزَيْمَة وَذكره عَلَاء الدّين فِي كنز الْعمَّال برقم ١٤٤ وَقَالَ حَدِيث صَحِيح.
(٦) رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيح بِسَنَد صَحِيح برقم ٢٠٤ ج١ص٣٧٠ (الْمَتْن والحاشية) وَأخرجه أَحْمد فِي مُسْنده جـ١ ص ٦٣، واالبزار: كشف الأستار ج١ ص١٣.
[ ٤٢٥ ]
سَمَّاهُ بعض الْأَئِمَّة أصل الْإِيمَان كَمَا قَالَ ابْن حجر فِي شَرحه لقَوْل ابْن مَسْعُود: (الْيَقِين الْإِيمَان كُله) ١.
إِن مُرَاد ابْن مَسْعُود أَن الْيَقِين هُوَ أصل الْإِيمَان، فَإِذا أَيقَن الْقلب - كَمَا يَنْبَغِي - انبعثت الْجَوَارِح كلهَا للقاء الله بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَات. حَتَّى قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: "لَو أَن الْيَقِين وَقع فِي الْقلب - كَمَا يَنْبَغِي - لطار اشتياقًا إِلَى الْجنَّة وهربًا من النَّار" ٢.
إِذا عرفنَا مَا ذكر اتَّضَح أهمية الْيَقِين بِالشَّهَادَةِ وَأَنه فضلا عَن كَونه شرطا لتحققها وفارقًا بَين الْمُؤمن وَالْمُنَافِق وشرطًا للمغفرة وَدخُول الْجنَّة.
أَنه أصل الْإِيمَان - كَمَا قَالَ ابْن حجر.
أما القَوْل بِأَن التَّلَفُّظ بِالشَّهَادَتَيْنِ بِدُونِ استيقان الْقلب كافٍ فِي الإِيمان فَهُوَ مَذْهَب غلاة المرجئة - والآيات وَالْأَحَادِيث الآنف ذكرهَا كلهَا تدل على فَسَاده بل هُوَ مَذْهَب مَعْلُوم الْفساد من الشَّرِيعَة لمن وقف عَلَيْهَا، وَلِأَنَّهُ يلْزم مِنْهُ تسويق النِّفَاق وَالْحكم لِلْمُنَافِقِ بِالْإِيمَان الصَّحِيح وَهُوَ بَاطِل قطعا ٣. وَالله أعلم.
_________________
(١) هَذَا طرف من أثر وَصله الطَّبَرَانِيّ بِسَنَد صَحِيح. وبقيته (وَالصَّبْر نصف الْإِيمَان) وَقد تعلق بِهَذَا الْأَثر من قَالَ: إِن الْإِيمَان مُجَرّد التَّصْدِيق. وَأجِيب بِأَن مُرَاد ابْن مَسْعُود أَن الْيَقِين أصل الْإِيمَان. انْظُر: فتح الْبَارِي ج١ ص ٤٨.
(٢) فتح الْبَارِي ج١ص ٤٨.
(٣) انْظُر. الْمُفْهم شرح صَحِيح مُسلم ج١ ص ١٦٠. والمعلم بفوائد مُسلم للْإِمَام أبي عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ الْمَازرِيّ ج١ ص ١٩٤.
[ ٤٢٦ ]