الْمحبَّة لُغَة: اسْم للحب. وَالْحب: نقيض البغض، وَهُوَ الوداد كَمَا يَأْتِي وَيُرَاد بِهِ: الجرة، والخشابات الْأَرْبَع الَّتِي تُوضَع عَلَيْهَا الجرة ذَات العروتين - جمعه: أحباب، وحِببه، وحِبان، وحبوب ١.
وَفِي اصْطِلَاح الفلاسفة: ميل إِلَى الْأَشْخَاص أَو الْأَشْيَاء العزيزة أَو الجذابة أَو النافعة٢.
وَالْمرَاد هُنَا: الْمحبَّة، وَهِي: الْمَوَدَّة وَالرَّغْبَة للا إِلَه إِلَّا الله، وَلما اقتضته ودلت عَلَيْهِ من الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال محبَّة مُنَافِيَة لضدها. وَمن ذَلِك: أَن يكون الله سُبْحَانَهُ وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا، والمحبة لأَهْلهَا العاملين بهَا الملتزمين بشروطها، وبغض من نَاقض ذَلِك.
ذَلِك أَنه لَا يحصل لقائلها معرفَة وَقبُول إِلَّا بالمحبة، لِأَن الْمحبَّة تدل على الْإِخْلَاص الْمنَافِي للشرك، وَمن أحب الله تَعَالَى أحب دينه٣.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ الْآيَة٤.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ﴾ الْآيَة ٥.
_________________
(١) انْظُر: مُعْجم متن اللُّغَة مَادَّة حبب جـ٢ ص٦ - ٨، ولسان الْعَرَب مَادَّة حبب ج١ص ٥٤٤.
(٢) المعجم الْوَسِيط ج١ ص١٥١.
(٣) انْظُر: مُخْتَصر العقيدة الإسلامية ص ٣٨ وَبَيَان مسَائِل الْكفْر وَالْإِيمَان ص ١٦٧.
(٤) آيَة ١٦٥ الْبَقَرَة.
(٥) آيَة ٥٤ الْمَائِدَة.
[ ٤٣٥ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِه..﴾ ٢
وَقَالَ ﷺ: "ثَلَاث من كن فِيهِ وجد بِهن حلاوة الْإِيمَان: من كَانَ الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا، وَمن أحب عبدا لَا يُحِبهُ إِلَّا لله، وَمن يكره أَن يعود فِي الْكفْر بعد إِذْ أنقذه الله مِنْهُ كَمَا يكره أَن يلقى فِي النَّار" ٣.
وَعَن أبي رزين الْعقيلِيّ أَنه قَالَ يَا رَسُول الله مَا الْإِيمَان؟ فَقَالَ: "أَن تشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وَأَن يكون الله وَرَسُوله أحب إِلَيْك مِمَّا سواهُمَا " الحَدِيث ٤.
وَقَوله ﷺ "لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى أكون أحب إِلَيْهِ من وَالِده وَولده وَالنَّاس أَجْمَعِينَ " ٥.
وَقَوله ﷺ: "وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى أكون أحب إِلَيْهِ من نَفسه " ٦.
_________________
(١) آيَة ٣١ آل عمرَان.
(٢) آيَة ٢٤ التَّوْبَة.
(٣) رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي كتاب الْإِيمَان بَاب ١٤ جـ١ ص٧٢، وَمُسلم فِي كتاب الْإِيمَان بَاب بَيَان خِصَال من اتّصف بِهن وجد حلاوة الْإِيمَان ج٢ ص١٣.
(٤) رَوَاهُ أَحْمد ج٤ ص١١.
(٥) رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي كتاب الْإِيمَان بَاب حب الرَّسُول من الْإِيمَان ج١ص٥٨، وَمُسلم فِي كتاب الْإِيمَان بَاب وجوب محبَّة رَسُوله أَكثر من الْأَهْل ج٢ ص١٥، وَأحمد فِي مُسْنده ج٣ ص١٧٧، ٢٠٧.عَن أنس.
(٦) رَوَاهُ أَحْمد عَن زهرَة بن معِين عَن جده قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ وَهُوَ آخذ بيد عمر" مُسْند أَحْمد ج٤ ص٣٣٦.
[ ٤٣٦ ]
هَذِه بعض الْأَدِلَّة من الْكتاب وَالسّنة الَّتِي تؤكد وجوب محبَّة الله وَرَسُوله وتقديمهما على كل مَحْبُوب. وَهُوَ مَا تَقْتَضِيه لَا إِلَه إِلَّا الله وَعَلِيهِ فالمحبة لله وَرَسُوله الْمَشْرُوطَة - هُنَا - لابد أَن تكون أَكثر من محبَّة غَيرهمَا.
وَانْتِفَاء هَذِه الْمحبَّة ردة - كَمَا قَالَ ابْن تيميه - وَهُوَ يتَكَلَّم عَن الْمُرْتَد " أَو كَانَ مبغضًا لرَسُوله أَو لما جَاءَ بِهِ اتِّفَاقًا"١.
بل إِن من سَاوَى بَين محبَّة الله وَرَسُوله وَبَين محبَّة غَيرهمَا فَلَيْسَ بِمُؤْمِن فضلا عَمَّن أحب مَا سوى الله وَرَسُوله أَكثر من محبتهما. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ الْآيَة ٢.
وَقَوله ﷺ فِي الحَدِيث الآنف ذكره عِنْدَمَا سَأَلَهُ أَبُو رزين عَن الإِيمان فَقَالَ: "أَن تشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، وَأَن يكون الله وَرَسُوله أحب إِلَيْك مِمَّا سواهُمَا" ٣.
ومحبة الله وَرَسُوله لَا تتَحَقَّق إِلَّا بِاتِّبَاع مَا بلغه الرَّسُول ﷺ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾ الْآيَة ٤.
قَالَ ابْن كثير: "هَذِه الْآيَة حاكمة على كل من ادّعى محبَّة الله وَلَيْسَ هُوَ على الطَّرِيقَة المحمدية بِأَنَّهُ كَاذِب حَتَّى يتبع الشَّرْع المحمدي وَالدّين النَّبَوِيّ فِي جَمِيع أَقْوَاله وأفعاله" ٥.
وَقَالَ يحي بن معَاذ: "لَيْسَ بصادق من ادّعى محبَّة الله وَلم يحفظ حُدُوده" ٦.
وَقَالَ أَبُو يَعْقُوب النهرجوري: "كل من ادّعى محبَّة الله وَلم يُوَافق الله فِي أمره فدعواه بَاطِلَة" ٧.
_________________
(١) الْإِقْنَاع جـ٤ ص ٢٩٧.
(٢) آيَة ١٦٥ الْبَقَرَة.
(٣) سبق تَخْرِيجه.
(٤) آيَة ٣١آل عمرَان.
(٥) تَفْسِير ابْن كثير جـ١ ص ٣٥٨.
(٦) جَامع الْعُلُوم وَالْحكم ص٣٤٠.
(٧) نفس الْمصدر السَّابِق.
[ ٤٣٧ ]
وَمن تَمام محبَّة الله محبَّة مَا يُحِبهُ وَكَرَاهَة مَا يكرههُ. فَمن أحب شَيْئا مِمَّا يكرههُ الله أَو كره شَيْئا مِمَّا يُحِبهُ الله لم يكمل توحيده وَصدقه فِي قَول لَا إِلَه إِلَّا الله، وَكَانَ فِيهِ من الشّرك بِحَسب مَا كرهه مِمَّا يُحِبهُ الله، وَمَا أحبه مِمَّا يكرههُ الله. وَلذَلِك ذمّ ﷾ هَؤُلَاءِ فَقَالَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ ١ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ ٢ ٣.
وَفِي صَحِيح الْحَاكِم عَن عَائِشَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "الشّرك فِي هَذِه الْأمة أخْفى من دَبِيب النَّمْل على الصَّفَا فِي اللَّيْلَة الظلماء وَأَدْنَاهُ أَن تحب على شَيْء من الْجور أَو تبغض على شَيْء من الْعدْل " الحَدِيث ٤. قَالَ ابْن رَجَب - بعد سِيَاقه هَذَا الحَدِيث - "وَهَذَا نَص فِي أَن محبَّة مَا يكرههُ الله وبغض مَا يُحِبهُ مُتَابعَة للهوى، والموالاة على ذَلِك والمعاداة فِيهِ من الشّرك الْخَفي" ٥.
وعلامة حب العَبْد ربه تَقْدِيم محابه وَإِن خَالَفت هَوَاهُ، وبغض مَا يبغض ربه وَإِن مَال إِلَيْهِ هَوَاهُ، وموالاة من والى الله وَرَسُوله ومعاداة من عَادَاهُ، وَاتِّبَاع سنة رَسُوله ﷺ وتقديمها على غَيرهَا من السّنَن ٦.
وَمن الْمَعْلُوم أَن الْجَوَارِح تعْمل - فِي الْغَالِب - بِمُقْتَضى الْحبّ والبغض، يَدْفَعهَا حب الشَّيْء إِلَى عمله وبغض الشَّيْء إِلَى تَركه وَلذَا إِذا تمكنت محبَّة الله تَعَالَى فِي الْقلب لم تنبعث الْجَوَارِح إِلَّا إِلَى طَاعَته ﷿ وَهَذَا - كَمَا قَالَ ابْن رَجَب ٧ - هُوَ معنى الحَدِيث الإلهي الَّذِي خرّجه البُخَارِيّ عَن أبي هُرَيْرَة
_________________
(١) آيَة ٩ مُحَمَّد.
(٢) آيَة ٢٨ مُحَمَّد.
(٣) انْظُر: كلمة الْإِخْلَاص ص٣٨، وجامع الْعُلُوم وَالْحكم ص٣٤٠، والدر المنثور ج٢ ص١٧.
(٤) رَوَاهُ الْحَاكِم فِي التَّفْسِير (تَفْسِير آل عمرَان) ج٢ ص٢٩١، وَأبي نعيم فِي الْحِلْية ج٩ ص٢٥٣.
(٥) كلمة الْإِخْلَاص لِابْنِ رَجَب ص٣٩.
(٦) معارج الْقبُول ج٢ ص٤٢٤.
(٧) انْظُر: كلمة الْإِخْلَاص ص٤٣. والدر المنثور ج٢ ص١٧. وجامع الْعُلُوم وَالْحكم ص٣٢٠.
[ ٤٣٨ ]
عَن النَّبِي ﷺ عَن ربه - وَفِيه " وَلَا يزَال عَبدِي يتَقرَّب إِلَيّ بالنوافل حَتَّى أحبه فَإِذا أحببته كنت سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ وبصره الَّذِي يبصر بِهِ وَيَده الَّتِي يبطش بهَا وَرجله الَّتِي يمشي بهَا "
الحَدِيث ١.
قَالَ الْفَاكِهَانِيّ: "يحْتَمل أَن يكون معنى سَمعه مسموعه، لِأَن الْمصدر قد جَاءَ بِمَعْنى الْمَفْعُول مثل فلَان أملي بمعني مأمولي، وَالْمعْنَى أَنه لَا يسمع إِلَّا ذكري وَلَا يلتذ إِلَّا بِتِلَاوَة كتابي وَلَا يأنس إِلَّا بمناجاتي وَلَا ينظر إِلَّا فِي عجائب ملكوتي وَلَا يمد يَده إِلَّا فِي رضاي وَرجله كَذَلِك". وَبِمَعْنَاهُ قَالَ ابْن هُبَيْرَة ٢ - وَهَذَا يُؤَيّد مَا قَالَه ابْن رَجَب - آنِفا - فِي معنى الحَدِيث.
_________________
(١) رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي الرقَاق بَاب التَّوَاضُع ج١١ ص٢٤٠ - ٢٤١، وَانْظُر: جَامع الْأُصُول حَدِيث٧٢٨٢.
(٢) فتح الْبَارِي ج١١ص٣٤٤.
[ ٤٣٩ ]